بقلم الدكتور جمال العزيز – باحث في السياسات العمومية والتنمية-
لا تسقط الدول فقط عندما تتعرض لاجتياح خارجي، بل حين تُدار بالفراغ. فراغ الرؤية، وفراغ المشروع، وفراغ المعنى. حين، تتآكل القدرة الإستراتيجية للدولة، حتى وإن بدت مؤسساتها قائمة شكليا.
إن أخطر ما يهدد الدول الحديثة ليس فقط التهديدات الخارجية، بل العجز الداخلي عن إنتاج نخب قادرة على التفكير بمنطق الدولة. نخب تمتلك القدرة على تشخيص الإشكالات البنيوية، وصياغة الحلول، وتحمل كلفة القرار. ففي غياب هذا العمق، تتحول المؤسسات إلى آليات تقنية ، ويتراجع منسوب الثقة، وتتعمق فجوة الدولة والمجتمع.
وحين تفقد السياسة بعدها الإستراتيجي، تتحول إلى إدارة للمصالح وتتمثل المسؤولية العمومية في تدبير النفوذ. وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الدول في فقدان مناعتها الداخلية بصمت.
في هذا السياق، تبرز خصوصية التجربة المغربية، حيث تشكل المؤسسة الملكية ركيزة سيادية ضامنة لاستمرارية الدولة، ومرجعية استراتيجية تؤطر المشروع الوطني. فالملكية المغربية عنصر استقرار و فاعل مركزي في إنتاج الرؤية، وتوجيه الإصلاح، وحماية التوازنات الكبرى، بما يمنع منطق الفراغ أو العبث المؤسساتي.
غير أن تحصين الدولة في المرحلة الراهنة لم يعد ممكنا بالإستقرار فقط، بل يتطلب انتقالا نوعيا في إنتاج النخب والسياسات. انتقالا إلى منطق البناء و الإستباق و وضوح المسؤوليات. فالدولة القوية اليوم هي التي تمتلك القدرة على استشراف التحولات بعد تدبير النتائج.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الإعتبار للعمل السياسي تمر عبر ربطه بالإنتاج الفعلي للحلول. حلول تقوم على إشراك المجتمع المدني الريادي كحاضنة للإبتكار الإجتماعي، وكشريك في صياغة وتنفيذ السياسات العمومية. فالمجتمع المدني المؤسَّس، القائم على الكفاءة والإلتزام، قادر على تحويل المبادرات المحلية إلى سياسات قابلة للتعميم.
كما أن تحصين الشباب يشكل اليوم رهان الدولة الأول؛ لا عبر الإحتواء الظرفي، ولكن عبر فتح المجال أمام الإبداع المنظم، وإحداث مراكز للتفكير والإبتكار، تربط بين المعرفة والمقاولة والسياسة العمومية. مراكز تُنتِج الأفكار و الحلول، وتُكوِّن جيلا جديدا من الفاعلين القادرين على الإشتغال بمنطق الدولة وليس بمنطق الهامش.
إن الدولة التي تستثمر في شبابها وفي ذكائها الجماعي، وفي المجتمع المدني الريادي؛ هي دولة تُراكِم مناعة استراتيجية مستدامة. قادرة على تحويل التغيير إلى قيمة مضافة.
إن الفراغ السياسي يظل أخطر مداخل سقوط الدول، لأنه يُضعِف القدرة على الفعل، ويجعل السيادة عرضة للتآكل البطيء. غير أن الدولة التي تمتلك رؤية ونخبا مسؤولة ومؤسسات ضامنة، ومجتمعا مدنيا منتجا وشبابا مبدعا؛ تتجدد وتستبق أزماتها وتبني مستقبلها بثقة.
وفي هذا الإطار، فإن المغرب يمتلك كل المقومات للانتقال من مرحلة تدبير التحديات، إلى مرحلة صناعة الفرص. شرط أن ننتقل جميعا من منطق الموقع إلى منطق المشروع، ومن النية إلى هندسة الحلول؛ وأن نُعيد الإعتبار للسياسة باعتبارها مسؤولية تاريخية، لا امتيازا عابرا.

