الأحد 1 فبراير 2026 14:48

جماعة إنشادن: حول انتخاب الكاتب المحلي لحزب الاستقلال…

بقلم نورالدين سوتوش:اشتوكة أيت باها

لا تموت السياسة عادةً في لحظة صدام، ولا تسقط دفعة واحدة كما قد يتخيل البعض. السياسة، في السياقات المحلية على وجه الخصوص، تميل إلى التلاشي البطيء؛ تفقد لغتها أولًا، ثم قدرتها على الإقناع، ثم تتحول—من دون ضجيج—إلى مجرد إدارة هادئة للواقع كما هو.

من هذا المنظور، لا يبدو انتخاب محمد كاني كاتبًا محليًا لحزب الاستقلال بجماعة إنشادن حدثًا صاخبًا، لكنه يفرض سؤالًا مركزيًا: هل ما زال التغيير التنظيمي قادرًا على إنتاج معنى سياسي، أم أنه أصبح مجرد إعادة ترتيب للمواقع؟

*الحزب بين الفكرة والجهاز

وُجدت الأحزاب، في أصلها، لتكون حاملة للأفكار ومُنتِجة للاختلاف، لا مجرد أجهزة لتأمين الاستمرارية. الحزب، قبل أن يكون هيكلًا، هو رؤية وموقف ومسافة نقدية من السلطة.

غير أن الممارسة المحلية تُظهر، في كثير من الأحيان، انزلاقًا صامتًا من الحزب–الفكرة إلى الحزب–الجهاز. وحين يحدث هذا التحول، لا يختفي الحزب، بل يستمر بلا روح، يؤدي وظائفه الشكلية، ويؤجّل الأسئلة الثقيلة باسم “الواقعية” و“توازنات المرحلة”.

وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
هل يستطيع حزب يقوده فاعل مركزي داخل الأغلبية المسيرة لجماعة انشادن مثلا ،أن يحتفظ بهذه المسافة الضرورية؟ أم أن منطق التدبير سينتصر، مرة أخرى، على منطق السياسة؟

*جماعة إنشادن: الواقع لا يؤمن بالخطابات والبلاغات الفارغة من المعنى السياسي الحقيقي

إنشادن ليست جماعة تبحث عن خطاب سياسي جديد، بل عن أثر ملموس لسياسات قائمة.
الطرق، الماء، والتعمير ليست ملفات تقنية معزولة، بل تعبيرات يومية عن علاقة المواطن بالمؤسسة.

وفي هذا السياق، لا يمكن لأي تغيير تنظيمي أن يكتسب مشروعيته إن لم يُترجم إلى قدرة حقيقية على مساءلة الحصيلة، وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق العدالة المجالية لا منطق التوافق المريح.

وهنا، اسمحوا لي بكسر النبرة قليلًا، لأن الواقع أحيانًا يُقال بلغة أقرب للناس:
الساكنة ما بقاتش كتسول شكون كيقود الحزب، ولات كتسول علاش الطريق باقية بحالها، وعلاش عملية التزويد بالماء الصالح للشرب فيه مشكل في بعض الدواوير، وعلاش التعمير داير بحال شي متاهة.
هذا السؤال، البسيط في لغته، العميق في معناه، هو جوهر السياسة المحلية.

*حزب الاستقلال: التاريخ كمسؤولية لا كدرع

لا أحد يُنكر أن حزب الاستقلال يحمل رصيدًا تاريخيًا ورمزيًا مهمًا. غير أن التاريخ، حين لا يُستثمر كمسؤولية نقدية، يتحول إلى درع يُستعمل لتأجيل المحاسبة.

السياسة لا تُقاس بما كان، بل بما يُنجَز الآن، وبالقدرة على الاعتراف بالإخفاق قبل تسويق النجاحات. الحزب الذي يخشى نقد ذاته، يخسر تدريجيًا قدرته على تمثيل الآخرين.

*البرلماني والمحلي:هل هي علاقة تكامل أم تماهٍ؟

وجود نائب برلماني عن الحزب بالإقليم، الحسين أزوكاع،في المشهد السياسي،وهو للإشارة قيادي حزبي له باع طويل في التسيير المحلي ،يفتح نظريًا أفقًا لتكامل المستويات: المحلي، الجهوي، والوطني. لكن هذا التكامل لا يتحقق بالانسجام الشكلي، بل بتحويل القضايا المحلية إلى ملفات سياسية تُناقَش وتُتَابَع داخل المؤسسة التشريعية.
ومن هنا يستوقفنا السؤال مرة أخرى: هل ستتوافق رؤى الكاتب المحلي المنتخب مع رؤى البرلماني في ذات الحزب ؟

وأم سيصبح التنسيق مجرد اصطفاف حزبي، يحمي الفاعلين أكثر مما يحمي القضايا.

*السياسة كفعل أخلاقي أولا.

في جوهرها، السياسة ليست تقنية لإدارة الممكن، بل فعل أخلاقي يُفترض أن ينحاز للإنسان ضد الرداءة، وللمعنى ضد الفراغ.
وحين تُفرّغ السياسة من هذا البعد، تتحول إلى ممارسة باردة، تُراكم التوافقات وتُبدّد الثقة.

وهنا، مرة أخرى، لا بأس من العودة إلى لغة الواقع:
إلى ولى الحزب غير كيسوّق التبريرات، راه الناس غادي تمشي فحالها، والثقة غادي تمشي معاها.
وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة.

في الختم أريد أن أقول بكل تجرد،انتخاب محمد كاني كاتبًا محليًا لحزب الاستقلال بإنشادن قد يكون فرصة لإعادة الاعتبار للسياسة كفعل ومعنى، لا كإدارة صامتة. لكنه قد يمرّ أيضًا كغيره من التغييرات، إن لم يُرافقه وعي بأن المواقع لا تصنع الشرعية، وأن الشرعية الحقيقية تُبنى من أثر القرار في حياة الناس.

في النهاية، ليس السؤال: من يقود الحزب؟
بل: هل ما زال الحزب يقود فكرة؟

تحرير: wadi3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.