الأحد 25 يناير 2026 20:42

ديكتاتورية الرأي في زمن الوصاية الرقمية

في زمنٍ أصبحت فيه المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الجماعي، برزت ظاهرة مثيرة للانتباه تتمثل في بعض الصفحات الفيسبوكية التي نصّبت نفسها ناطقة باسم “الساكنة”، تتحدث بجرأة مفرطة وكأنها تمتلك تفويضًا شعبيًا مطلقًا. أصحابها يقدّمون أنفسهم كصوتٍ جامعٍ للمدينة، أو كوسطاء عن مجتمعٍ صامت، بينما في الحقيقة لا يمثلون سوى أنفسهم، ولا يتجاوز تأثيرهم حدود بعض متابعيهم الافتراضيين.

 

إن هذه الظاهرة تكشف عن خللٍ عميق في فهم مفهوم التمثيل العمومي، وعن غيابٍ واضح للوعي المؤسسي الذي يميّز بين حرية التعبير، بوصفها حقًا فرديًا مشروعًا، وبين الوصاية الرمزية على الرأي العام، التي تُعتبر تعديًا على روح الديمقراطية ومبادئ المشاركة المدنية. فالتعبير عن الرأي لا يعني التحدث باسم الجميع، والاختلاف في الموقف لا يمنح أي جهة شرعية احتكار الحقيقة.

لقد أصبح طغيان الرأي في عالم اليوم خطرًا متناميًا، إذ لم يعد الفكر العميق هو من يصوغ الرأي العام، بل غدت الآراء مبعثرة، متداخلة، ومنقادة في كثير من الأحيان دون وعيٍ نقديٍّ حقيقي. صار كثير من الناس يرددون ما يسمعون دون أن تعكس آراؤهم قناعة شخصية أو معرفة موضوعية. وهنا تكمن خطورة الظاهرة: حين يتحول الرأي من فعلٍ فكريٍّ حر إلى انقيادٍ رقميٍّ جماعي، يفقد النقاش العمومي معناه، وتضيع البوصلة التي تهدي الفكر نحو المصلحة العامة.

 

إن المواطن الذي يمتلك المعرفة ويمارس التفكير النقدي هو وحده القادر على ممارسة المواطنة الحقيقية، لأن المعرفة تمنح الإنسان مناعة فكرية ضد الانسياق، وتمكّنه من التمييز بين الموقف الرشيد والدعاية الموجهة. أما المواطن الذي يفتقر إلى الوعي والمعرفة، فيسهل أن يُستدرج إلى تبني مواقف سطحية تُفرز تياراتٍ افتراضية متضاربة لا تلبي الحاجات الحقيقية للمجتمع، وتشكّل خطرًا على النقاش العام الذي يُعدّ الركيزة الأساس لبناء الرأي العام المتوازن.

 

المدن والمجتمعات لا تُدار بخطاباتٍ انفعالية أو منشوراتٍ متسرعة، بل برؤية مؤسساتية منضبطة تؤمن بالمساءلة والوضوح. فشرعية الخطاب لا تُقاس بعدد الإعجابات أو التعليقات، بل بعمق الفكرة، ومصداقية التحليل، وسموّ النية. لذلك، عندما يدّعي بعض النشطاء التحدث باسم “الساكنة”، يكون من المشروع أن نسألهم: جربوا أن تفتحوا استفتاءً حقيقيًا على صفحاتكم، وسترون كم عدد الساكنة التي تفوّض لكم الأمر بالتحدث باسمها.

 

ومن هذا المنطلق، نوجّه نداءً صريحًا إلى مؤسسات الدولة، بأن تتعامل مع هذه الظاهرة المتنامية بما يلزم من وعيٍ واستبصار، من خلال تعزيز قنوات التواصل المؤسساتي المنفتح، وتكريس الإعلام العمومي المسؤول الذي يواكب قضايا المواطنين بموضوعية، ويصون النقاش العمومي من الانزلاقات الرقمية التي تُزيّف الوعي وتُربك الثقة العامة.

 

وفي الختام، نقول لهؤلاء الذين جعلوا من صفحاتهم منابر للوصاية الافتراضية: من يتحدث باسم الناس دون تفويض، لا يمثل أحدًا. أنتم لا تمثلون سوى أنفسكم، فقط.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.