حكومة عزيز أخنوش بين منسوب الانتقاد ورهان الدولة الاجتماعية: قراءة هادئة في منطق الإصلاح الشامل
منذ توليها المسؤولية، وجدت حكومة عزيز أخنوش نفسها في مواجهة موجة واسعة من الانتقادات الشعبية، في سياق عام بالغ التعقيد. غير أن القراءة الموضوعية لمسار هذه الولاية تقتضي الابتعاد عن الانطباع الآني، والنظر إلى التجربة الحكومية ضمن الإطار الشامل الذي اشتغلت فيه، سواء من حيث الظرفية أو من حيث الاختيارات الاستراتيجية للدولة.
ولا يمكن فهم منسوب هذا الانتقاد دون استحضار الظرفية الاستثنائية التي جاءت فيها هذه الحكومة. فقد تزامن انطلاق ولايتها مع استمرار التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة لجائحة كوفيد-19، وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإنتاج وارتفاع كلفة المعيشة، ثم زلزال الحوز الذي شكّل اختباراً إنسانياً ومؤسساتياً بالغ الحساسية، إضافة إلى توالي سنوات الجفاف التي أثّرت بشكل مباشر على الأمن الغذائي، العالم القروي، والتوازنات الاجتماعية. وهي عوامل مركّبة ساهمت في ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، وأثّرت على إدراك المواطن لوتيرة الإصلاح، رغم عمق الأوراش المهيكلة التي جرى تسريعها خلال هذه المرحلة.
في هذا السياق، اختارت الحكومة الاشتغال بمنطق الدولة الاجتماعية، لا كشعار سياسي، بل كتحول بنيوي في السياسات العمومية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية. ويتجلى ذلك في ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي شكّل خطوة تاريخية في إعادة هيكلة علاقة الدولة بالمواطن، وترسيخ مبدأ الإنصاف الاجتماعي والعدالة المجالية.
كما مثّل إطلاق الدعم الاجتماعي المباشر انتقالاً نوعياً في فلسفة التدخل العمومي، حيث انتقلت الدولة من منطق الدعم الظرفي وغير الموجّه إلى سياسة اجتماعية دائمة، قائمة على الاستهداف والدقة والنجاعة، ما عزز الثقة في قدرة المؤسسات العمومية على مواكبة الفئات الهشة وحمايتها.
وإلى جانب البعد الاجتماعي، راهنت الحكومة على إصلاح عميق لمنظومة التشريعات والقوانين، باعتبارها مدخلاً مركزياً لتحديث الدولة وتعزيز مناخ الثقة. وقد شمل هذا المسار عدداً من النصوص المرتبطة بالقضاء والامن والمقاولات ، وفي مقدمتها ورش إصلاح مدونة الأسرة، في إطار مقاربة تشاركية تراعي الثوابت الدستورية والمرجعيات الوطنية، وتوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية والتحولات المجتمعية.
كما شمل الإصلاح مدونة التجارة ومجمل الإطار القانوني المنظم لمناخ الأعمال، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، ويعزز جاذبية الاستثمار، ويوفر حماية قانونية أكبر للمقاولة، سواء الوطنية أو الأجنبية، في انسجام مع دستور 2011 وخيارات النموذج التنموي الجديد.
وقد نجح المغرب، خلال هذه الولاية، في ترسيخ موقعه كقطب استثماري إقليمي، واستقطاب كبريات الشركات الأوروبية والعالمية، بفضل مزيج متكامل يجمع بين الاستقرار السياسي، وضوح الرؤية الاستراتيجية، تحديث الترسانة القانونية، وتوفر بنية تحتية بمعايير دولية. فقد شهدت المملكة استثمارات كبرى في مؤسسات التكوين والبحث العلمي و الملاعب، شبكة القطارات، الموانئ، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، إضافة إلى شبكة طرق سريعة وهيكلية جعلت من المغرب منصة لوجستيكية تربط إفريقيا بأوروبا والعالم.
وفي قلب هذا التحول، يحتل المكتب الشريف للفوسفاط مكانة استراتيجية، ليس فقط كفاعل صناعي عالمي، بل كرافعة سيادية في المنظومة المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي. فبفضل إنتاجه لمشتقات الفوسفاط وتصديرها إلى مختلف القارات، أصبح المغرب فاعلاً أساسياً في تأمين الأسمدة الزراعية، وداعماً مباشراً لاستقرار سلاسل الغذاء، وهو ما يمنح للسياسة الاقتصادية بعداً جيو-استراتيجياً واضحاً.
وفي البعد الرياضي والدبلوماسي، أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال لقائه برئيس الوزراء السنغالي، أن الانتصار الحقيقي لا يقاس فقط بالنتائج، بل بقدرة الدول على استثمار الرياضة كأداة للتنمية البشرية والاقتصادية، وتعزيز مكانتها على المستوى العالمي. وقد شكّل تنظيم كأس إفريقيا للأمم محطة مفصلية لقياس هذا التحول، ليس فقط من حيث التنظيم، بل باعتباره تعبيراً عن نضج التجربة المغربية في تدبير التظاهرات الكبرى.
وبنفس الرؤية والطموح، يستعد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، في مشروع يتجاوز البعد الرياضي ليحمل إشعاعاً قارياً، ويعكس التزام المملكة بتقديم صورة حديثة عن إفريقيا، قادرة على المساهمة الفاعلة في صناعة الأحداث العالمية الكبرى.
وعلى مستوى العلاقات الدولية، عرفت الدبلوماسية المغربية خلال هذه الولاية دينامية لافتة، تُرجمت بتزايد عدد الدول الداعمة لمغربية الصحراء، سواء عبر فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية، أو من خلال مواقف سياسية واضحة داخل المنتظم الدولي. وهو ما يعكس نجاعة الرؤية الدبلوماسية للمملكة، وقدرتها على تحويل القضايا الوطنية إلى ملفات تحظى بتفهم ودعم متناميين.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي سطّر برنامجاً إصلاحياً شاملاً، يربط بين التنمية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية، وتعزيز مكانة المغرب كفاعل موثوق إقليمياً ودولياً، ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
خلاصة القول، إن حكومة عزيز أخنوش، رغم الانتقادات، اشتغلت داخل منطق الاستمرارية الاستراتيجية للدولة، وساهمت في تنزيل أوراش كبرى تمس جوهر النموذج التنموي المغربي. ويبقى تقييم هذه الولاية، في النهاية، مرتبطاً بالمؤشرات البنيوية والاختيارات الكبرى، لا بضجيج اللحظة السياسية.

