السبت 3 يناير 2026 14:28

✍️ فاطمة الزهراء احموش 

في خطوة تاريخية لافتة، أعلنت الحكومة السنغالية رسميًا اعتماد اللغة العربية لغةً رسمية في البلاد بدل اللغة الفرنسية، في قرار يعكس تحوّلًا عميقًا في التوجّه الثقافي واللغوي للدولة، ويؤشر على رغبة واضحة في إعادة الاعتبار للهوية الحضارية للسنغال بعد عقود من هيمنة الإرث الاستعماري.
وجاء هذا الإعلان في بيان رسمي أكدت فيه السلطات أن القرار يندرج ضمن حزمة إصلاحات شاملة تمسّ مجالات التعليم والإدارة والتشريع، وتهدف إلى توسيع استعمال اللغة العربية داخل المؤسسات العمومية والمناهج الدراسية، إلى جانب اللغات الوطنية الأخرى، بما يحقق توازنًا لغويًا منسجمًا مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع السنغالي.
وأوضح البيان أن تنفيذ هذا التحول سيتم بشكل تدريجي ومدروس، وفق خطة زمنية دقيقة تراعي متطلبات المرحلة الانتقالية، وتشمل تأهيل الكوادر الإدارية والتربوية، وتكوين الأطر المختصة، فضلًا عن تكييف النصوص القانونية والإدارية مع الوضع اللغوي الجديد، بما يضمن استمرارية المرفق العمومي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويستند هذا القرار، بحسب مراقبين، إلى جذور تاريخية عميقة للغة العربية في السنغال، حيث ظلت لقرون طويلة لغة العلم الشرعي، والتعليم الديني، والتأليف، والقضاء العرفي، كما شكّلت ركيزة أساسية في الزوايا الصوفية والمدارس القرآنية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الديني والثقافي للبلاد. ورغم محاولات التهميش خلال الحقبة الاستعمارية، حافظت العربية على حضورها القوي في النسيج المجتمعي بوصفها لغة الدين والهوية والمعرفة.
ومن المرتقب أن يواكب هذا القرار إصلاح عميق للمنظومة التعليمية، من خلال إدماج اللغة العربية في مختلف الأسلاك والمستويات، وتحديث المناهج بما يستجيب لمتطلبات العصر، إلى جانب تشجيع البحث العلمي والترجمة، بما يعزز انفتاح السنغال على محيطها العربي والإسلامي، دون الإخلال بعلاقاتها الإفريقية والدولية.
ويرى متابعون أن اعتماد العربية لغةً رسمية بدل الفرنسية يحمل دلالات سيادية قوية، تعكس سعي الدولة إلى استعادة قرارها اللغوي والثقافي، باعتباره أحد أعمدة الاستقلال الحقيقي، كما يعبّر عن قناعة متنامية بأن التنمية الشاملة لا تنفصل عن ترسيخ الهوية، وأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل أداة لبناء الإنسان وصياغة الوعي الجماعي.
وقد لقي هذا القرار ترحيبًا واسعًا في الأوساط الثقافية والدينية داخل السنغال وخارجها، ولا سيما في العالم العربي والإسلامي، حيث اعتُبر خطوة جريئة تعزز مكانة اللغة العربية في إفريقيا، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الثقافي والتعليمي. وفي المقابل، دعت بعض الأصوات إلى تدبير المرحلة الانتقالية بحكمة وتدرّج، بما يحفظ التعدد اللغوي ويصون تماسك المجتمع.
وبهذا التحول، تفتح السنغال صفحة جديدة في تاريخها اللغوي والثقافي، مقدّمة نموذجًا إفريقيًا يسعى إلى التوفيق بين استعادة الجذور والانخراط في الحداثة، في انتظار أن تترجم هذه الإرادة السياسية إلى سياسات عمومية فعّالة تجعل من اللغة العربية رافعة للتنمية وأداة لتعزيز السيادة والهوية.

تحرير: ادارة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.