بقلم الدكتور جمال العزيز
تفقد الشبيبات الحزبية بعدها السياسي حينما تُختزَل أدوارها في التعبئة الظرفية وتزيين الواجهات التنظيمية؛ بعدما كانت مختبرا للنقاش الحر وجسرا بين المجتمع والأحزاب وفضاء لإنتاج الأفكار وتكوين النخب. هذا التحول نتيجة ممارسات تراكمية أفرغت الشبيبة من جوهرها، وحولتها من فاعل سياسي إلى أداة توظيف مؤقت، تُستدعَى لتأثيت المشهد.
لقد أثبتت التجربة أن حزبا بلا شبيبة فاعلة هو حزب بلا مستقبل. فالشبيبة ليست ديكورا تنظيميا ولا وقودا انتخابيا ؛ ولكن هي الرئة التي يتنفس بها الحزب وتربطه بنبض المجتمع. وحين تُحاصَر التمثيليات المحلية وتُفرَغ من استقلاليتها، تتحول السياسة إلى ممارسة جامدة، تعيد إنتاج نفس الخطاب.
وما يزيد المشهد قتامة هو لجوء البعض ، إلى استعمال الشبيبة مطِيَّة للصعود الفردي، ووسيلة لبلوغ مواقع المسؤولية عبر بيع الوهم للشباب المغربي ؛والإستمرار في خطاب مُنمَّق يخفي واقعا مغايرا. الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتسويق الوهم، بل يُحوِّلون الكذبة إلى أسلوب اشتغال، ويجعلون منها سياسة ثابتة، بينما يكونون في الوقت نفسه أول المبادرين إلى محاربة الكفاءات، والتضييق على كل صوت يُشمُّ منه رائحة الإختلاف أو النقد.
وفي هذا السياق، تُدارُ كثير من الأنشطة الشبابية بمنطق كولسة بالية: صور مصطنعة، تدخلات معروفة سلفا، نقاشات مُعلَّبة لا هدف لها سوى إرضاء ”السيد الرئيس” . هكذا يُختزَل العمل الحزبي في طقوس شكلية تخنق الإبداع وتفتح المجال أمام شبيبة المظليين والمتملقين ، بدل شبيبة الفكرة والمسؤولية.
غير أن الشباب اليوم، وخاصة جيل Z، لا يبحث عن صور عابرة في أنشطة موسمية، بل عن مختبرات حاضنة لأفكاره، ومساحات حقيقية للتجريب والمشاركة في القرار. هذا الجيل ناقد بطبعه، ويقيس صدقية الفاعلين بالأفعال . ومن يُوضَع على رأس القمة دون معرفة مسالك الجبل، يتيه في الأفق ويسقط عند أول منحدر؛ لأن القيادة ليست قفزا فوق المراحل، ولكن تراكم التجربة و استيعاب عميق لمسارات الصعود والمسؤولية.
إن إعادة الإعتبار للشبيبات الحزبية تقتضي، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إعطاء أفكار متجددة ومبتكرة، واستحضار الدور المحوري للشباب في النهوض بالمجتمع وتجديد الفعل السياسي بإشراكه في الرؤية وصناعة القرار.
وفي هذا الإطار، تلتقي الحاجة الحزبية مع التوجهات الملكية المتبصِّرة الداعية إلى دعم الشباب وتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات بما يواكب تحولات المجتمع والعالم. وهي إشارات استراتيجية يجب أن تُترجَم داخل الأحزاب إلى ممارسات واختيارات واضحة.
إن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، إقليميا ودوليا تفرض بدورها حضورا شبابيا واعيا و مؤمنا بثوابت المغرب ؛ صادقا في دوره التأطيري وقادرا على المشاركة في بلورة القرار بعين وطنية مسؤولة.
إن إعطاء مسارات جديدة للجيل الجديد للتنمية شرط أساسي لبناء مغرب الغد. مغرب تُصنَع فيه السياسة بالأفكار والكفاءات وبشبيبة حرة وفاعلة لا بالمظلات.
إن المغرب الصاعد يحتاج أحزابا تُجدِّد ذاتها من الداخل قبل أن تطلب ثقة المجتمع من الخارج.

