نشرة -الرباط
عرفت المحكمة الإدارية بالرباط، يوم الجمعة 9 يناير 2026، انعقاد جلسة حاسمة في ملف المستحقات المالية العالقة لأساتذة كلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. لم تكن الجلسة مجرد محطة إجرائية ضمن مسار دعوى إدارية، بل شكلت لحظة كاشفة لخلل عميق في علاقة النص القانوني بالممارسة الإدارية، حيث حضرت الدولة في بعدها القضائي، بينما غابت الجامعة باعتبارها سلطة قرار ومسؤولية.
الجلسة خُصصت لسماع ردود الإدارة بخصوص مستحقات مترتبة عن مهام بيداغوجية أنجزت فعليًا داخل التكوينين: الإجازة والماستر في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والإعلام. وقد حضر المنسق البيداغوجي لهذين التكوينين، إلى جانب الكاتب العام للمؤسسة ممثلًا عن الكلية.
في المقابل، سجل غياب لافت لجهات يفترض أنها تمثل الجامعة قانونيًا وإداريًا، رغم توصلها القانوني بالاستدعاء، ويتعلق الأمر بكل من:
• عميد كلية اللغات والآداب والفنون بصفته آمرًا بالصرف؛
• رئيس جامعة ابن طفيل؛
• وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار؛
• الوكيل القضائي للمملكة.
هذا الغياب لا يمكن اختزاله في مجرد تعثر إداري أو سوء تنسيق، بل يطرح إشكالًا جوهريًا يمس مبدأ المشروعية، باعتباره أساس البناء القانوني للإدارة العمومية وأحد مرتكزات دولة الحق والقانون.
فالدستور المغربي وضع قواعد لا تقبل التأويل الفضفاض؛ إذ ينص الفصل الأول على ربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما تؤكد الفصول 154 و155 و156 على التزام المرافق العمومية بالحياد والشفافية واحترام القانون، وضمان الاستمرارية والجودة والمساواة في خدمة المرتفقين.
غير أن هذه المبادئ تفقد معناها حين يُستدعى المسؤول فيمتنع عن الحضور، وحين تُترك الحقوق معلقة بلا قرار، والمسؤولية بلا محاسبة.
ولا يقتصر الإطار القانوني المنظم لهذه القضية على الوثيقة الدستورية، بل يمتد إلى القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13، الذي يحمّل الآمر بالصرف مسؤولية الالتزام بالنفقات وتصفيتها وصرفها، ويرتب عن أي إخلال آثارًا قانونية واضحة. كما يستند الملف إلى مقتضيات القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، الذي يمنح القاضي الإداري صلاحية مراقبة مشروعية تصرفات الإدارة وترتيب الجزاءات القانونية عن امتناعها أو تقاعسها عن الدفاع عن قراراتها.
داخل الجلسة، برز الدور المحوري للمنسق البيداغوجي، الذي دافع عن صفته القانونية وعن حقوقه وحقوق الأساتذة المؤطرين، موضحًا أن العلاقة التي تجمعهم بالإدارة ليست علاقة عرفية أو شفوية، بل مؤسسة على عقد تكوين مكتوب، موقع من رئيس الجامعة وعميد الكلية والمنسق البيداغوجي والطلبة المستفيدين. وهو عقد يخضع لمقتضيات القانون رقم 00.01، لاسيما المواد 2 و7 و8 و16 و18، وللميثاق الوطني للتربية والتكوين، خاصة المادتين 52 و55، فضلًا عن القانون الداخلي للتكوين المستمر بجامعة ابن طفيل، المصادق عليه من طرف مجلس الجامعة بتاريخ 29 يوليوز 2021.
وأكد المنسق أن الأساتذة لم يتوصلوا بمستحقاتهم عن مهام التأطير والتدريس والتنقل لما يزيد عن أربع سنوات، رغم تخرج ثلاثة أفواج، ورغم توصل الجامعة والكلية بمستحقاتهما المالية في إطار برنامج التشغيل (Programme d’emploi) رقمي 4 و5 برسم سنة 2024. كما أوضح أنه استنفد جميع المساطر الإدارية المعمول بها، من إيداع الملفات والوثائق والبيانات وفق مسطرة الصرف، غير أن الإدارة ظلت متمنعة عن الأداء، ما دفعه إلى توجيه مراسلات كتابية متكررة، بلغ عددها سبع مراسلات موثقة بين سنتي 2023 و2025، آخرها إنذار قضائي وُجه في ماي 2025.
في المقابل، حاول ممثل الكلية الدفع بعدم استكمال الوثائق المطلوبة، غير أن المنسق واجه هذا الادعاء بتقديم مراسلات رسمية تثبت العكس، مذكرًا بقاعدة قانونية مستقرة مفادها أن ما يثبت بالكتابة لا يمكن دحضه إلا بالكتابة.
وبناءً على ذلك، قررت المحكمة إحالة الملف إلى جلسة علنية مخصصة لتقديم المستنتجات بتاريخ 23 يناير 2026، معتبرة أن القضية أصبحت جاهزة للبت.
ما عكسته وقائع الجلسة يتجاوز نزاعًا ماليًا محددًا، ليكشف أزمة حكامة بنيوية: الجهد يُبذل في القاعدة، والقرار يُغيَّب في القمة. الأساتذة ينجزون مهامهم، والمنسق يتحمل مسؤولية التوضيح والمتابعة، والكتابة العامة تحضر، بينما يتراجع من بيده القرار المالي والإداري إلى موقع الغياب.
إن الأخطر من حرمان الأساتذة من مستحقات مشروعة، هو تحويل الصمت إلى أسلوب تدبير، وتطبيع خرق القانون عبر الغياب، في تعارض صارخ مع أخلاقيات الوظيفة العمومية ومبادئ المرفق العام.
لقد حسمت المحكمة في الجانب الإجرائي وأعلنت أن الملف جاهز. غير أن السؤال القانوني والمؤسساتي يظل معلقًا:
• من يفعّل المقتضيات الدستورية داخل الجامعة؟
• ومن يحاسب الآمرين بالصرف والمسؤولين عن تغييب القرار؟
فالحقوق قد تُسترجع بأحكام قضائية، لكن سيادة القانون لا تُبنى إلا بالحضور، وتحمل المسؤولية، وربط القرار بالمحاسبة

