الثلاثاء 27 يناير 2026 22:02

سوس ماسة وجزر الكناري: شراكة جديدة تعيد رسم خارطة الطريق عبر الأطلسي

عصام أمكار

لم يكن استقبال والي جهة سوس ماسة سعيد أمزازي لرئيس حكومة جزر الكناري والوفد الرفيع المستوى المرافق له مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل يندرج ضمن منطق جديد في تدبير العلاقات الخارجية على المستوى الترابي، حيث تتحول الجهات إلى فاعل دبلوماسي يكمل الدولة، وقادر على ترجمة التوجهات الاستراتيجية الكبرى إلى شراكات ميدانية ملموسة ذات أثر تنموي مباشر وملموس، ويعكس هذا الاستقبال تحولًا جديدا في تموقع الجهة داخل النسق العام للدبلوماسية الوطنية، بما يجعل المجال الترابي جزءًا من أدوات الفعل الخارجي للدولة لا مجرد فضاء للتنفيذ .

وتحمل هذه الشراكة في عمقها دلالات تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تعكس وعيًا مشتركًا بأهمية القرب الجغرافي كرافعة للتكامل الاقتصادي واللوجستي والبيئي، فجهة سوس ماسة وجزر الكناري ليستا فقط نقطتين متقابلتين على ضفتي المحيط الأطلسي، بل مجالًا مشتركًا لإنتاج فرص جديدة في قطاعات حيوية كالصيد البحري، الطاقات المتجددة، السياحة، والاقتصاد، بما يعزز تموقع الجهة داخل الشبكات الاقتصادية المتوسطية والأطلسية، كما يفتح هذا التقارب آفاقًا جديدة لتثمين المؤهلات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها الجهة في منطق تكاملي طويل الأمد .

وعلى المستوى الاستراتيجي، تندرج هذه الدينامية ضمن التحول الذي يشهده النموذج المغربي في تدبير الشراكات الدولية حيث لم تعد التنمية تُصاغ حصريًا من المركز، بل تُبنى انطلاقًا من المجال وفق منطق اللامركزية، والدبلوماسية الترابية، وهو توجه ينسجم مع الرؤية الملكية التي جعلت من الجهات قاطرة للتنمية ومجالًا لتجريب نماذج تعاون مبتكرة مع الشركاء الدوليين، بما يمنح السياسات العمومية بعدًا ترابيًا أكثر نجاعة وقربًا من الواقع .

أما الأثر المنتظر على جهة سوس ماسة فيتجلى في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية ورفع قدرتها التنافسية، من خلال نقل الخبرات، وتبادل التجارب، وفتح آفاق جديدة أمام الفاعلين الاقتصاديين المحليين، كما تتيح هذه الشراكة إدماج الجهة في سلاسل قيمة عابرة للحدود، بما يساهم في خلق فرص شغل وتثمين الموارد المحلية ضمن مقاربة تنموية مندمجة، تراعي التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الخصوصيات البيئية والاجتماعية .

وفي قراءة أعمق تعكس هذه الشراكة انسجام الجهة مع تصور الدولة لمفهوم الثقة المؤسساتية، حيث تُبرز قدرة سوس ماسة على تحويل الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي ينعم به المغرب إلى علاقات تعاون نوعية مع شركاء دوليين، وهي علاقات تقوم على الندية، والوضوح، والالتزام المتبادل، بما يعزز صورة الدولة كفاعل موثوق وقادر على بناء شراكات متوازنة في محيطه الإقليمي والدولي .

ويبرز في هذا السياق الدور المحوري لوالي جهة سوس ماسة سعيد أمزازي الذي أدار هذا التقارب برؤية استراتيجية هادئة، تجمع بين الانضباط الإداري والمرونة الدبلوماسية، فقد أبان عن قدرة واضحة على تأطير الشراكات الخارجية للجهة ضمن الإطار العام للدولة، وتسويق سوس ماسة كشريك ترابي جاد، قادر على الوفاء بالتزاماته وبناء علاقات طويلة الأمد تقوم على التخطيط والاستباق لا على ردود الفعل .

كما أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة أكادير كمنصة للتعاون العابر للحدود، وواجهة تعكس نجاعة الاختيارات العمومية للدولة في مجال الانفتاح والتعاون الدولي، إذ تتحول المبادرات الترابية في هذا السياق إلى امتداد عملي للسياسات الوطنية، بما يضمن انسجامًا وظيفيًا بين ما هو محلي ووطني ودولي، ويمنح الجهة إشعاعًا متزايدًا على جميع الأصعدة .

وبذلك لا يمكن قراءة هذه الشراكة إلا باعتبارها مؤشرًا على تحول هادئ لكنه عميق في تموقع جهة سوس ماسة داخل الاستراتيجية الوطنية، حيث تلتقي الدبلوماسية الترابية مع منطق الدولة، وتتقاطع التنمية المحلية مع الرهانات الكبرى، وهو نموذج يؤسس لتعاون دائم يعزز إشعاع المملكة، ويكرّس الجهة كفاعل ترابي واعٍ بدوره داخل المشروع التنموي الوطني الشامل .

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.