الإثنين 2 مارس 2026 17:40

من الناحية السوسيولوجية، فمن بين القواعد التي يكسرها رمضان، هي الأكل بشكل فردي أو شبه جماعي (أي عنصر واحد غائب على الأقل) داخل الأسر، الذي كان سائدا في الأشهر العادية، لأن الانشغال وفق برمجيات مختلفة وتعدد واختلاف الأذواق، يجعل الاختلاف الثقافي والقيمي بخصوص مواقيت الوجبات كالإستمتاع بالهاتف وقت الأكل عوض تبادل أطراف الأحاديث الأسرية، إضافة إلى تحول أماكن الأكل لتشمل مختلف جوانب المنزل عوض مكان واحد وموحد… كلها عوامل تجعل نمط الأكل الفردي هو المحبب في الوقت المعاصر ما عدى رمضان.

بالتالي فإن قدوم رمضان وتحديد وقت الوجبات خاصة وجبة الإفطار بالتدقيق (بالدقيقة والثانية) ينجح فعلا في خلق مالم يستطع الفرد المعاصر تحقيقه في الأشهر العادية، والأمر هنا لا يعود إلى تقديس الأكل بل إلى سلطتي المقدس والجوع، والنقطة الأبرز التي يمكن ملاحظتها دون أي جهود للبرهنة عليها في هذا الاطار، هي أن هذه الدقة في الاجتماع على المائدة في وقت محدد بشكل قهري، لها انعكاسات على مجالات مختلفة منها:
توقيت العمل، الدراسة، الخروج والدخول من المنزل، التسوق، السفر، اضطراب الحركية داخل المجالات الحضرية بالخصوص… وهذه النقطة الأخيرة هي الأهم في نظري، لأن الكثير من الأفراد قد يؤجل وجبته بسبب أوقات الدروة في الحركية داخل المدن في الأيام العادية، وبل هناك من يتناول وجبته خارج البيت أو في سيارته وهو الأمر الذي لا يستطيع المغاربة القيام به في رمضان، وهذا لا يعود لسبب استحالته أو حتى صعوبته، فالأكل عملية بيولوجية فردية بالأساس، لكن للافطار الرمضاني سلطة مقدسة ترسخ العادات أكثر من سلطة العادة لوحدها.

إن التأمل في ازدحام واضطراب الحركة قبل الافطار في رمضان سيجعلنا نستنتج سبب من أسباب صعوبة التجمع على المائدة في غير رمضان، وهو الكثافة السكانية في مجال جغرافي ضيق ومحدد يحتاج إلى الفجوة في الدينامية وفي الحركية من باب تخفيف الضغط على المجال الضيق وتابعاته المختلفة، خاصة من الناحية الصحية.
هذا، كما لا يمكن إغفال جانب مهم في اللمة حول المائدة الرمضانية بشكل قسري، ألا وهو الصراع القائم على الجيل، فبين اختلافات التنشئة والقيم والثقافة، يوجد حيز قيمي بنيوي مهم يتعارض كليا بين الجيل القديم والمعاصر وهو ما قد يهندس بنية المائدة وموقع الأفراد بشكل يجسد الصراع حول المائدة ويزيد من قسرية اللمة والتجمع حول المائدة. إن اعتبر كل ما تم ذكره هو شامل للمائدة والتجمع القهري حولها بشكل مؤقت (شهر الصيام) ما هو إلا اغفال لتعقيد كل ما يرتبط بالأكل كظاهرة اجتماعية تبني بنى ثقافية تشكل أساس ونواة التي تقوم عليها كل الأبعاد المجتمعية وديناميتها، وفي هذا السياق يوجد بعد آخر للتجمع القسري على المائدة وهو الطبقية، فعطفا عن النوع الاجتماعي وصراع الأجيال، يتداخل كل هذا وداك ليشكل طبقية هرمية حول المائدة من قبيل:
من يجلس؟ أين يجلس؟ وبأي كيفية يجلس؟ وكيف يأكل؟ وماذا يأكل؟ ولماذا؟ كلها أسئلة تجيبنا عن من يترأس هرم المائدة وهو غالبا أمر يعود إلى الجيل وصراعه القيمي ومن يملك سلطة ونفوذ تناول ما يشاء وقتما شاء دون أي قيود، وقد تتضاعف قيود الطبقية على منهم في الأسفل خاصة الصغار، إن هذه الطبقية لا يمكن اختزالها في الأكل وحده، بل تطول إلى الأحاديث وأنواعها وطبيعتها، وسؤال حول من يحتكر الكلام حول المائدة، فأخلاقيا ليس من حق للجميع أن يتكلم أو أن يقترح مواضيع الحديث وتغيرها دون قيود طبقية، لهذا فإن في كثير من الأسر يتغير موضوع الحديث فيها لمجرد مغادرة الجد أو الأب، وهي طبقية نفسها تطبق على التلفاز أتناء التجمع على مائدة الافطار، فأي قناة نشاهد؟ ومتى نغيرها؟…إلخ. تفاصيل كلها تجعل الجلوس على مائدة الإفطار مسألة قسرية تفرضها سلطة المقدس والعادة الممزوجة بالجوع، وسرعان ما تعود الأمور إلى فردانيتها بعد رؤية الهلال وإعلان شهر شوال.

مجمل القول فإن التجمع على المائدة بشكل قهري في رمضان بالخصوص، ليس مجرد فعل اجتماعي بسيط كما نراه، بل إنه بنية اجتماعية مكانية لها تعيد لنا فرصة تفكيك هذا التجمع لمعرفة أسباب عدم استمراره، بين أسباب موضوعية تعود إلى ما تفرضه نمطية الحياة، وأخرى تعود لصراعات الأجيال والطبقية والهيمنة.

متابعة: لحسن اخراز

تحرير: wadi3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.