نشرة- الرباط
في خضم الجدل الذي يعيشه قطاع التعليم بإقليم طاطا، برز “نقابي” مقرب من المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بطاطا في واجهة النقاش العمومي، بعد الانتقادات الصريحة التي وجهها له أحد الفاعلين السياسيين والاقتصاديين على صفحته الفيسبوكية، والتي لم تخلُ من حمولة سياسية ونقابية قوية. فقد اتهم الأخير “المسؤول النقابي” بالدفاع عن المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بطاطا بدافع “ربح نقاط” شخصية، بدل الانتصار للمصلحة العامة وللانشغالات الحقيقية التي يعيشها القطاع التربوي محلياً.
هذا السجال يكشف، في العمق، عن جدل وسجال بين الفاعلين المحليين، حيث يُنظر إلى بعض المواقف باعتبارها اصطفافاً سياسياً أكثر من كونها قراءة موضوعية للوضع التعليمي. فالدفاع غير المشروط عن مسؤول إداري، في سياق يعرف احتقاناً تربوياً وانتقادات متزايدة لتدبير الشأن التعليمي، يُفسَّر لدى كثيرين باعتباره محاولة لتلميع صورة الإدارة بدل مساءلتها عن الاختلالات القائمة.
وقد بدت محاولات “المسؤول النقابي” المثيرة للجدل، في نظر عدد من المتتبعين، بئيسة ويائسة بالنظر إلى ضعف حجية المبررات التي ساقها للدفاع عن رئيسه المباشر. فبدل تقديم معطيات موضوعية أو مؤشرات ملموسة حول الحصيلة التدبيرية، لجأ إلى صياغات عامة وجمل عاطفية حاول من خلالها رفع الحرج عن المسؤول الإقليمي، غير أن هذا الأسلوب لم يقنع المتابعين، بل قوبل باستهجان واضح من رواد موقع فيسبوك ومن متتبعي الشأن التربوي بالإقليم، الذين رأوا في ذلك خطاباً تبريرياً يفتقر إلى قوة الإقناع وإلى منطق المساءلة المؤسساتية.
الفاعل السياسي والاقتصادي لم يكتف بانتقاد “المسؤول النقابي”، بل وجه سهام نقده أيضاً إلى المدير الإقليمي، متهماً إياه بتسخير المديرية الإقليمية التابعة لـ وزارة التربية الوطنية لخدمة أجندة حزبية ضيقة، وهو اتهام يعيد إلى الواجهة سؤال الحياد الإداري وربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين يُثار الحديث عن توظيف المرفق العمومي في صراعات أو حسابات سياسية، فإن ذلك يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص ويهدد ثقة الشغيلة التعليمية في مؤسسات التدبير التربوي.
الأخطر في هذه الاتهامات هو ما أُثير حول وجود تدخلات من جهات محسوبة على حزب التجمع الوطني للأحرار من أجل ضمان انتقال المدير الإقليمي إلى مديرية أخرى، سواء نحو أكادير أو تيزنيت. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنها تعيد طرح إشكالية “ترحال المسؤولين” وفق اعتبارات سياسية لا ترتبط بالضرورة بالحصيلة التربوية أو تقييم الأداء، وهو ما يفرغ منطق الإصلاح من محتواه المؤسساتي ويجعله رهين توازنات النفوذ.
في المقابل، يطرح هذا الجدل سؤالاً جوهرياً: هل يحتاج القطاع التعليمي في طاطا إلى مزيد من الاصطفافات والولاءات، أم إلى نقاش عمومي صريح حول الاختلالات البنيوية التي تعيق تنزيل الإصلاحات؟ فالتعليم، باعتباره قضية مجتمعية، لا يحتمل تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لتلميع صور الأشخاص، بل يتطلب مواقف مسؤولة تنطلق من تقييم موضوعي للواقع وتضع مصلحة المتعلمين والأطر التربوية فوق كل اعتبار.
إن الانتقادات الموجهة” للمسؤول النقابي”، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، تظل مؤشراً على عدم حياد بعض النقابيين، لكنها في الآن نفسه تفرض على مختلف الفاعلين التحلي بقدر أكبر من الوضوح والاستقلالية. فالمجتمع التعليمي لم يعد يقبل خطابات التبرير بقدر ما ينتظر مواقف جريئة تنحاز للإصلاح الحقيقي، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو البحث عن مواقع متقدمة في خريطة الولاءات السياسية.

