الأربعاء 18 فبراير 2026 03:54

عصام أمكار يكتب : هل السياق السياسي يُرَشِّح عبد الوافي لفتيت أم يُرَجِّحُه؟

في الأنظمة السياسية التي تستند إلى الشرعية الانتخابية، لا تُقاس قوة الحكومة فقط بقدرتها على تدبير الشأن العام، بل بقدرتها قبل ذلك على تأمين شروط انتخابات تُنتج تلك الشرعية نفسها، فالحكومة في جوهرها هي نتاج صناديق اقتراع، ومن ثمّ فإن من يشرف على إعداد الانتخابات إنما يشرف ــ بصورة غير مباشرة ــ على تشكيل ملامح الحكومة المقبلة، ومن هذا المنطلق يصبح السؤال عن الرئيس القادم للحكومة مرتبطًا بالسؤال الأعمق : من يدير لحظة الإعداد الانتخابي ويضبط إيقاعها؟

هذا السؤال يكتسب راهنية خاصة في السياق المغربي الحالي، حيث تبرز فرضية انتقالية مفادها أن الإشراف على الاستحقاقات المقبلة قد يتحول من مهمة تقنية إلى مؤشر سياسي على طبيعة المرحلة المقبلة . فالتاريخ السياسي المغربي يؤكد أن لحظات التحول الكبرى غالبًا ما تسبقها حكومات انتقالية أو ترتيبات خاصة تُعنى بتهيئة المناخ العام للاستحقاقات الحاسمة، وفي هذه اللحظات تبرز شخصيات إدارية وسياسية تمتلك قدرة عالية على إدارة التوازنات، وتكون مؤهلة لقيادة مرحلة انتقالية دقيقة، لا بوصفها نهاية مسار حكومي، بل بوصفها جسرًا نحو ترتيب جديد .

ضمن هذا الإطار، تبرز العديد من القراءات التي ترى في عبد الوافي لفتيت شخصية قادرة على تولي حكومة انتقالية محتملة، بالنظر إلى ما يملكه من خصائص سياسية وإدارية جعلته حاضرًا في مفاصل تدبير الدولة، فالرجل الذي اشتغل طويلًا في دوائر القرار الترابي والأمني والإداري، راكم خبرة واسعة في إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملفات التنمية والأمن والفوارق المجالية……. وهي ملفات تشكل الخلفية العميقة لأي عملية انتخابية ناجحة .

إن الإشراف على إعداد الانتخابات ليس مجرد إجراء تقني، بل هو عملية سياسية معقدة تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار والثقة والتوازن، ومن هنا فإن تكليف شخصية معينة بهذه المهمة يُقرأ غالبًا بوصفه مؤشرًا على موقعها في هندسة المرحلة المقبلة . وفي هذا السياق، تبدو فرضية انتقال الإشراف على العملية الانتخابية إلى شخصية ذات طابع تقني سياسي قوي بمثابة إشارة إلى إعادة ترتيب المشهد الحكومي، أو على الأقل إلى الاستعداد لمرحلة جديدة تُدار بمنطق مختلف .

ولعل أهم ما يميز عبد الوافي لفتيت في نظر المتابعين، هو نمط شخصيته السياسية: تركيز عالٍ، أعصاب باردة، وقدرة على إدارة الملفات دون انفعال، فالرجل لا يندفع وراء كثافة المعلومات ولا يغتر بها، بل يتعامل معها بعمق تحليلي يتيح له الاحتفاظ بمسافة آمنة من الأحداث، وهذه الخصائص التي تبدو للوهلة الأولى سمات شخصية، تتحول في السياق السياسي إلى أدوات حاسمة لإدارة الأزمات والتحولات .

إضافة إلى ذلك، يمتلك لفتيت ما يمكن تسميته ب “كفاءة المستشار”، أي القدرة على قراءة التوازنات من خلف الستار، وتقديم حلول عملية دون السعي إلى الظهور في الواجهة . وهذه الكفاءة التي اكتسبها من مسار طويل في الإدارة الترابية، تجعل منه رقمًا صعبًا في معادلة الحكم، لا لأنه يسعى إلى الظهور كذلك، بل لأنه لا يظهر بمظهر الرقم الصعب أصلًا . فصعوبة الرجل تكمن في هدوئه، وفي قدرته على إدارة اللحظات الحساسة دون استعراض مجاني .

ومن ثمّ، فإن الحديث عن إمكانية قيادته لحكومة انتقالية لا ينبع من مجرد تكهنات سياسية، بل من قراءة لطبيعة المرحلة نفسها، فالمغرب يقف أمام استحقاقات داخلية وخارجية دقيقة، تتطلب إدارة حكومية مرنة وقادرة على التكيف مع التحولات، كما أن الملفات الكبرى المطروحة على المستوى الدولي، وفي مقدمتها ملف الحكم الذاتي، تفرض وجود حكومة قادرة على العمل بتنسيق عالٍ مع المؤسسات السيادية، وعلى توفير صورة استقرار سياسي داخلي متماسك .

وفي هذا السياق، تبرز فكرة الحكومة الانتقالية كأحد الخيارات الممكنة لإعادة ترتيب المشهد، حكومة تكنوقراط، أو حكومة مختلطة تجمع بين الكفاءة التقنية والتمثيل السياسي، يمكن أن تتولى مهمة الإعداد لانتخابات جديدة في مناخ هادئ ومنظم، وقد عرف المغرب مثل هذه الصيغ في مراحل سابقة من تاريخه، حين كانت الأولوية لضمان انتقال سلس وإعادة ضبط التوازنات قبل الدخول في استحقاقات انتخابية حاسمة .

غير أن نجاح أي حكومة انتقالية يظل مرتبطًا بشخصية رئيسها، فالرئيس في هذه الحالة لا يُطلب منه فقط تدبير الشأن اليومي، بل إدارة مرحلة حساسة تتطلب دقة عالية في التوازن بين الحياد والفاعلية، ومن هنا تبدو شخصية ذات طابع إداري سياسي مركب، تمتلك خبرة في تدبير الملفات الترابية والأمنية، وقادرة على الحفاظ على مسافة متوازنة من مختلف الفاعلين، خيارًا منطقيًا لقيادة مثل هذه المرحلة .

ولعل أحد العناصر اللافتة في مسار لفتيت هو قدرته على إدارة الصمت . فالصمت في السياسة ليس غيابًا، بل أداة إدارة، وهو بحسب مقربين منه خبير في استعمال “موارد الصمت” للحفاظ على التوازن، وتجنب الانخراط في سجالات قد تشتت التركيز عن الأهداف الأساسية، وهذه القدرة تمنحه هامشًا واسعًا للمناورة، وتتيح له مراقبة المشهد دون الانجرار إلى ردود فعل متسرعة .

كما أن معرفته الدقيقة بملفات حساسة، وعلى رأسها ملف الريف، تمنحه رصيدًا من الخبرة في إدارة الأزمات المعقدة ومع ذلك فإن كثرة المعرفة لم تدفعه إلى الغرور، بل زادته حذرًا وميلاً إلى لعب دور المحايد الذي يراقب من الخلف، وهذا الدور الذي قد يبدو ثانويًا في الظاهر، يتحول في اللحظات الحاسمة إلى موقع مركزي، حين تصبح الحاجة إلى شخصية قادرة على اتخاذ القرار بهدوء .

ومن زاوية أخرى، فإن المرحلة المقبلة قد تفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة التحول السياسي في المغرب، وحول موقع الحكومة في هذا التحول . فهناك قراءة تاريخية ترى أن الدولة العلوية مرت بثلاث مراحل كبرى، وأن البلاد تقف اليوم على أعتاب تحول قد يعيد تعريف العلاقة بين المؤسسات، وفي مثل هذه اللحظات تصبح الحكومات الانتقالية أدوات لضمان الاستمرارية، لا مجرد حلول ظرفية وآنية .

كما أن تقديم صورة سياسية جديدة للأجيال القادمة يتطلب إدارة دقيقة للمرحلة الانتقالية، تتيح إبراز ملامح الاستقرار والقدرة على التجديد في آن واحد، ومن هنا فإن حكومة انتقالية يقودها شخصية ذات طابع إداري قوي يمكن أن تشكل فرصة لإعادة تقديم صورة سياسية متماسكة، تعزز الثقة داخليًا وخارجيًا، وتفتح المجال أمام انتخابات تُجرى في مناخ أكثر هدوءًا وتنظيمًا .

ومع ذلك، فإن كل هذه القراءات تظل في إطار الاحتمال السياسي لا اليقين، فالتحولات الكبرى غالبًا ما تُدار بهدوء، وتُحسم في دوائر ضيقة قبل أن تظهر إلى العلن، غير أن المؤكد هو أن الإشراف على إعداد الانتخابات يظل مؤشرًا مهمًا على طبيعة المرحلة المقبلة، وعلى الشخصيات المرشحة لقيادة التحول، وفي هذا السياق يظل اسم عبد الوافي لفتيت حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية، ليس بوصفه مرشحًا معلنًا، بل بوصفه شخصية تمتلك مقومات إدارة مرحلة انتقالية معقدة .

في النهاية قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان لفتيت سيقود حكومة انتقالية، بل ما إذا كانت المرحلة نفسها تتجه نحو صيغة انتقالية تتطلب شخصية من هذا النوع . فالدول حين تدخل منعطفات دقيقة، تبحث عن رجال المرحلة : أولئك الذين يجيدون إدارة التوازنات، ويعرفون متى يتقدمون ومتى يكتفون بالمراقبة، ويملكون القدرة على تحويل الصمت إلى أداة حكم .

وبين يقين التحولات وغموض التوقيت، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، غير أن المؤكد أن من يدير لحظة الإعداد للانتخابات يدير ــ في العمق ــ لحظة إعادة تشكيل المشهد السياسي، وفي هذه اللحظة يصبح الهدوء قوة، والصمت استراتيجية، والقدرة على الانتظار مهارة سياسية بامتياز .
إن المرحلة لا تحتاج إلى من يحل المعادلات فقط، بل من يجعل خبرته في حل المعادلات مرجعا لتسديد استراتيجي نحو أهداف مرموقة من طرف الداخل والخارج .

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.