تظل الفروسية المغربية أو “التبوريدة” رمزاً للأصالة والهوية الوطنية، وواحدة من أبرز الفنون التراثية التي يعتز بها المغاربة. وفي إقليم تازة، حيث تتجذر هذه العادة في وجدان القبائل والأسر، تواصل فرق الفروسية صمودها للحفاظ على هذا الموروث الأصيل، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها.
تربية الحصان و المهرجانات المواكبة لها في تازة ليست مجرد هواية، بل هي روح تنعش الرواج والاقتصاد المحليين، كما أنها تغذي روح النخوة وعزة الانتماء لهذا الوطن الأصيل؛ لكنها في المقابل التزام مالي ثقيل يتحمله مربو الخيل من جيوبهم الخاصة. فالتغذية، والرعاية البيطرية، والأدوية، إضافة إلى تكاليف تجهيز الخيول للعروض، كلها مصاريف باهظة ترهق كاهلهم في ظل غياب دعم مستدام يضمن استمرار هذا الفن.
ولا تتوقف المعاناة في الجانب المالي؛ إذ يشتكي الفرسان من غياب البارود الكافي خلال التداريب، ما يجعل من تدريب الشباب الصاعد أمراً بالغ الصعوبة. هذا النقص يهدد مستقبل الفروسية في المنطقة، ويجعل من توريث هذا التراث للأجيال القادمة تحدياً حقيقياً.
ويقول أحد مقدمي الفرق الفروسية بتازة:
“نعاني من التهميش وكثرة المصاريف وقلة الدعم، ورغم ذلك نشارك فقط لأننا وجدنا آباءنا وأجدادنا يفعلون هذا للحفاظ على هذا الموروث الثقافي. لذلك نطالب بالدعم المادي والمعنوي وأن يكون الجميع مشاركاً في الحفاظ على هذا التراث.”
ورغم وجود جمعيات محلية ومبادرات فردية تدعم بعض الفرق الفروسية في الإقليم مادياً ومعنوياً، فإن بعض الجمعيات المنظمة للمهرجانات ما زالت تطالب الفرق بالمساهمة المالية لشراء البارود مقابل المشاركة. وهو ما يعتبره الفرسان استغلالاً واضحاً لجهودهم، خصوصاً وأن عروضهم هي العنصر الأساسي الذي يجذب الجماهير ويضمن نجاح هذه التظاهرات.
وحتى بعد تجاوز كل هذه الصعوبات، يجد الفرسان أنفسهم أمام تحديات أخرى خلال المهرجانات، إذ يتحملون تكاليف المأكل والإقامة طيلة أيام الحدث. وغالباً ما يجمعون مساهمات بسيطة فيما بينهم ويستعينون بسيدة من الفريق للطبخ وشراء الخضر، في محاولة لتقليل النفقات والحفاظ على الطابع التقليدي المرافق لعروض الفروسية.
ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي فقط، بل تشمل أيضاً المخاطر الجسيمة التي يواجهها الفرسان في كل عرض. فالسقوط من الحصان أو إصابات البارود أمر وارد في أي لحظة، ومع ذلك يظل هؤلاء الفرسان دون أي تأمين يغطيهم أو يعوضهم في حال تعرضهم لإصابات خطيرة.
لهذا يطالب فرسان تازة ومربو الخيول بضرورة إطلاق خطة دعم حقيقية تضمن استمرار هذا الموروث الأصيل. فهم يرون أن إنصاف الفروسية يمر عبر توفير دعم مالي ولوجستي، وتأمين الفرسان ضد المخاطر، وتنظيم مهرجانات خاصة بالفروسية من طرف الفرق نفسها. كما يشددون على أن الحفاظ على هذا التراث مسؤولية جماعية، تحتاج إلى تظافر جهود الدولة والجمعيات والقطاع الخاص ليبقى هذا الفن العريق حياً ورافداً أساسياً للهوية المغربية.
جاء في الحديث ( الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ )