
استعدادا لتنظيم الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني لفن عبيدات الرما برسم سنة 2026، أعلنت المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة – بجهة بني ملال خنيفرة عن فتح باب استقبال طلبات المشاركة، عبر مصالحها بمدينة خريبكة، خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 25 فبراير 2026. ويأتي هذا الإعلان في سياق دينامية ثقافية متواصلة تروم صون أحد أبرز الأشكال التعبيرية التراثية بالمغرب، وترسيخ حضوره في المشهد الفني الوطني ضمن رؤية مؤسساتية قوامها التنظيم والاحترافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
يمثل مهرجان عبيدات الرما، الذي تحتضنه خريبكة باعتبارها الحاضنة التاريخية لهذا اللون الفني، لحظة ثقافية مفصلية تتقاطع فيها الذاكرة الشعبية مع رهانات التحديث الثقافي. فعبيدات الرما ليس مجرد أداء فرجوي تقليدي، بل هو نسق تعبيري مركب يجمع بين الإيقاع الشعري، والحركة الجماعية المنسجمة، واللباس التقليدي الدال، والبعد الرمزي المرتبط بالهوية المحلية لمناطق الشاوية وخريبكة وأقاليم الوسط. ومن ثَمّ، فإن شروط المشاركة التي حددتها الجهة المنظمة تعكس وعيا بضرورة صيانة هذا التراث من كل أشكال التسيب أو التوظيف غير المؤطر.
وقد اشترطت المديرية على الفرق الراغبة في المشاركة أن تكون ممارسة فعليا لفن عبيدات الرما ولها إنتاجات فنية مثبتة، وأن يكون قد مر على تأسيسها سنتان على الأقل عند تاريخ تقديم الطلب، فضلا عن وفائها بجميع التزاماتها السابقة تجاه مصالح الوزارة. وهي شروط لا يمكن قراءتها بمعزل عن مسعى إرساء مبدأ الاستمرارية والجدية، بما يضمن حضور فرق ذات تجربة ميدانية حقيقية، قادرة على تمثيل هذا الفن في مستوى يليق بتاريخه ورمزيته.

ويتكون ملف الترشيح من طلب خطي موجه إلى المدير الإقليمي لقطاع الثقافة بخريبكة، مرفق بنبذة عن الجمعية أو الفرقة ولائحة أعضائها، وصورة حديثة، وحامل رقمي يتضمن نماذج من إبداعاتها ومشاركاتها المختلفة، إضافة إلى تسجيل حديث أو توثيق حي لأدائها فوق الخشبة بالصوت والصورة. كما يشترط اعتماد الزي والآلات الفنية التقليدية المعروفة في تراث عبيدات الرما، وإرفاق قائمة المشاركين بنسخ من بطائقهم الوطنية، مع التنصيص الصارم على منع المشاركة المزدوجة لأي عضو ضمن فرقتين، تحت طائلة إلغاء مشاركة الطرفين معا في حال ثبوت المخالفة.

وتحيل هذه الضوابط على تصور متكامل لتنظيم المهرجان، حيث لا يقتصر الأمر على انتقاء عروض فنية، بل يتعداه إلى تدقيق المعطيات الإدارية، وضبط الهوية الجماعية للفرق، وتثمين الأداء الحي باعتباره جوهر هذا الفن القائم على التفاعل المباشر مع الجمهور. كما أن إلزام الفرق المتميزة بتوقيع عقد مشاركة واحترام كافة الشروط التنظيمية والفنية يعكس توجها نحو تأطير العلاقة بين الإدارة والفاعلين الثقافيين بعقود واضحة المعالم، تجنبا لأي لبس أو تجاوز.
وفي التفاتة ذات حمولة رمزية، استثنت الجهة المنظمة شيوخ عبيدات الرما من عملية الانتقاء، شريطة تقديمهم لملفات كاملة أسوة بباقي الفرق. ويعتبر كل ممارس تجاوز سن الخامسة والخمسين شيخا من شيوخ هذا الفن. وهذا الاستثناء لا يفهم كامتياز بقدر ما هو اعتراف بمكانة الرواد الذين حملوا المشعل عبر عقود، وأسهموا في نقل المهارات والإيقاعات والنصوص الشفوية بين الأجيال، بما يحفظ استمرارية الذاكرة الفنية الجماعية.
وسيعهد إلى لجنة مختصة دراسة الملفات وانتقاء الفرق التي ستشارك في فعاليات الدورة الخامسة والعشرين، في أفق الإعلان لاحقا عن تاريخ تنظيمها. أما إيداع الملفات فيتم بمقر المديرية الإقليمية لقطاع الثقافة بخريبكة، بحي الداخلة زنقة التفاح رقم 144، مقابل وصل إيداع، في خطوة تؤكد الحرص على الشفافية الإجرائية وتكافؤ الفرص بين المتقدمين.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم دورة جديدة من مهرجان عريق، بل بتعميق النقاش حول سبل إدماج الفنون الشعبية في السياسات الثقافية العمومية، وتحويلها من مجرد تراث يحتفى به موسميا إلى رافعة للتنمية الثقافية والاقتصادية المحلية. فحين تتقاطع المهنية في التنظيم مع الأصالة في الأداء، يصبح مهرجان عبيدات الرما فضاء لإعادة الاعتبار للثقافة الشعبية كقوة ناعمة قادرة على تعزيز الانتماء، وترسيخ الهوية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال الصاعدة في مجال الإبداع التراثي.

