السبت 14 فبراير 2026 14:44

✍️ ذ.مصطفى دفاع : 

لم تكن قضية جيفري إبستين، في جوهرها العميق، مجرد فضيحة جنسية عابرة كما حاول كثيرون اختزالها، بل بدت في نظر عدد كبير من المحللين شبكة معقدة من الابتزاز المنهجي استهدفت أصحاب القرار والنفوذ في مختلف بقاع العالم. الجنس هنا لم يكن غاية، بل وسيلة؛ وسيلة لإحكام السيطرة، وتقييد الإرادة السياسية، وصناعة صمت دولي مريب تجاه قضايا مصيرية.

  1. إن عنوان هذه القضية، ”جزيرة المتعة”، يخفي خلفه حقيقة أشد ظلمة: جزيرة بنيت على استغلال الأطفال، وعلى تحويل البراءة الإنسانية إلى أداة في سوق السلطة. الفضائع التي ارتكبت هناك لا يمكن وصفها إلا بأنها أفعال حيوانية، بل لعل تشبيهها بالحيوان فيه ظلم للحيوان نفسه؛ فالحيوان لا يقتل إلا ليأكل من جوع، ولا يفتك بأبناء فصيلته حتى لو هلك جوعا. أما هؤلاء، فكانوا يعيشون في ثراء فاحش، ومع ذلك قتلوا أطفالا بالمعنى الأخلاقي والإنساني وأكلوا لحومهم رمزيا وحرفيا، دون ضرورة ولا فاقة. ولو كان للحيوان وعي قانوني، لرفع دعوى قضائية ضد من شبههم به ونسب إليه هذه الجرائم.
    لم يأت فضح قضية إبستين من فراغ، ولا من صحوة أخلاقية مفاجئة، بل جاء بعد سلسلة من التسريبات، وتصريحات بعض الضحايا، وضغط إعلامي وشعبي جعل إخراج القضية إلى العلن أمرا حتميا لا مفر منه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف لقضية بهذا الحجم، وبهذا العدد من المتورطين من أصحاب القرار والنفوذ العالمي، أن تبقى طي الكتمان لسنوات؟ أليس من غير المعقول أن تكون أجهزة الاستخبارات العالمية، وخاصة مخابرات الدول العظمى ذات القدرات التجسسية المتطورة كما ونوعا، تجهل ما كان يجري؟
    إن الجواب المنطقي يقودنا إلى احتمالين لا ثالث لهما: إما أن هذه الأجهزة كانت على علم كامل، لكنها آثرت الصمت، أو أنها كانت هي نفسها جزءا من شبكة الابتزاز، أو على الأقل مستفيدة منها.
    من هنا يمكن فهم الخيط الذي يربط ”جزيرة المتعة” بقطاع غزة. فعندما يخرق اتفاق وقف الحرب في غزة من طرف الكيان الصهيوني، لا نكاد نسمع إدانة جدية، ولا شجبا حقيقيا من الدول الكبرى أو من الصحافة الرسمية العالمية، إلا من رحم ربك. تخيل، بالمقابل، لو أن حركة حماس هي من خرقت الاتفاق، لنهض العالم عن بكرة أبيه، لا ليدين فحسب، بل ليبرر إرسال الجيوش، ودك ما تبقى من خراب في القطاع، حتى يسوى بالأرض.

وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى قطاع غزة باعتباره استثناء في بنية النظام الدولي، ولا كحالة إنسانية طارئة خرجت عن القاعدة، بل هو حالة نموذجية تتخذ فيها القرارات بالطريقة ذاتها التي أدير بها الصمت الطويل على ما جرى في “جزيرة المتعة”. إنها الآلية نفسها: تحييد متعمد للقانون، وتدجين للمؤسسات الدولية، وتعليق انتقائي للقيم الأخلاقية كلما تعارضت مع مصالح مراكز النفوذ. فغزة ليست فشلا عرضيا للعدالة الدولية، بل نتيجة منطقية لنظام تدار فيه الإرادات السياسية بالابتزاز، وتصاغ فيه المواقف لا وفق معيار الحق والباطل، بل وفق ما يملكه كل طرف من أوراق ضغط خفية، وما يمسك به من أسرار لا يسمح لها أن ترى النور.

هذا الكيل بمكيالين يفسر إلى حد بعيد لماذا جاءت القرارات الأممية ضد الكيان الصهيوني محتشمة، ضعيفة، وفاقدة لأي آلية إلزام حقيقية، ولماذا لا ينصاع لها هذا الكيان أصلا. فالمقررون في هذه الهيئات إما واقعون تحت الابتزاز إن كانت لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بقضية إبستين، أو أنهم يتبنون الطرح الصهيوني سياسيا وأيديولوجيا، وفي الحالتين تكون العدالة الدولية أول الضحايا.
ورغم فضح قضية إبستين، ما تزال الخروقات الصهيونية متواصلة، وما تزال الوثائق المنشورة من ملف القضية جزئية، مثقوبة، مغطاة بالسواد، وكأن الحقيقة لا يسمح لها أن تخرج كاملة. وهنا يطرح السؤال الأخطر:
هل ما تزال تمارس الضغوط على أصحاب القرار والنفوذ العالمي عبر ما تبقى من معلومات لم يكشف عنها بعد؟ أم أن هناك ”جزر متعة” أخرى، لم تكتشف بعد، أو بالأحرى لم يسمح بفضحها؟
إن قضية إبستين ليست صفحة أغلقت، بل مرآة عاكسة لطبيعة النظام العالمي: نظام تحكمه شبكات النفوذ، وتدار فيه القيم بالابتزاز، وتدفن فيه الحقيقة حين تتعارض مع مصالح الأقوياء. وبين جزيرة المتعة وقطاع غزة، يقف الضمير الإنساني شاهدا صامتا، ينتظر لحظة كسر هذا الصمت.

تحرير: abderrahim Ouramdane

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.