أعلن المركز الجهوي للاستثمار لسوس ماسة عن إطلاق نسخة جديدة من برنامج “أبريد للتسريع” (ABRID Accélération)، الذي يستهدف مواكبة ودعم نمو 100 مقاولة بالجهة، تشمل المقاولات الصغيرة جداً، التعاونيات، الشركات الناشئة، والمقاولين الذاتيين. خطوة تُقدَّم في إطار دينامية جديدة تروم تقوية النسيج الاقتصادي الجهوي، بشراكة مع ولاية الجهة، مجلس جهة سوس-ماسة، والاتحاد العام لمقاولات المغرب.
على الورق، يبدو البرنامج واعداً؛ مسار يمتد على 12 شهراً، يجمع بين التكوين، التأطير، المواكبة الفردية، تسهيل الولوج إلى التمويل، وربط المقاولات بالأسواق، إلى جانب دعم إداري وتنظيمي. وهي عناصر طالما شكلت مطالب أساسية لفئة واسعة من المقاولين الذين يواجهون تحديات حقيقية في النمو والاستمرارية.
لكن، خلف هذه الانطلاقة الجديدة، تطفو ذاكرة قريبة لم تُمحَ بعد. تجربة السنة الماضية ما تزال حاضرة في أذهان عدد من المستفيدين، الذين وصفوا النسخة السابقة بأنها “مخيبة للآمال”، بسبب بطء الإجراءات، غموض معايير الانتقاء، وضعف المواكبة الفعلية، بل وغياب أثر ملموس على مشاريعهم.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والتجربة الميدانية يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام نسخة مُحسَّنة فعلاً من البرنامج؟ أم إعادة إنتاج لنفس الآليات التي لم تحقق النتائج المرجوة؟
البرنامج في صيغته الجديدة يراهن على تجاوز هذه الاختلالات، من خلال توسيع نطاق المواكبة، وإدماج المقاولات ضمن شبكة أعمال، وتسهيل الولوج إلى برامج الدعم والتمويل. كما يستهدف مقاولات لها على الأقل سنتان من النشاط، ما يعني توجيه الدعم نحو مشاريع تجاوزت مرحلة الانطلاق وتبحث عن التوسع.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنوع مكونات البرنامج، بل في جودة التنفيذ. فالمقاول الصغير في سوس ماسة لم يعد يكتفي بحضور ورشات أو تلقي وعود، بل ينتظر نتائج ملموسة: تمويل يصل في الوقت المناسب، مواكبة تقنية حقيقية، وإدماج فعلي في السوق.
وفي هذا السياق، يؤكد فاعلون اقتصاديون أن نجاح “أبريد للتسريع” رهين باعتماد حكامة واضحة، تقوم على الشفافية في اختيار المستفيدين، وتتبع دقيق لمسار المقاولات، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن إشراك المقاولين في تقييم البرنامج بشكل دوري قد يشكل خطوة مهمة لاستعادة الثقة.
اللافت أيضاً أن البرنامج يغطي مختلف أقاليم الجهة، من أكادير إلى طاطا، وهو ما يطرح تحدي العدالة المجالية في توزيع الفرص وضمان استفادة متوازنة، بعيداً عن التركيز في المراكز الحضرية فقط.
اليوم، ومع فتح باب الترشيحات، تبدو الفرصة قائمة لإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمقاولين. لكن هذه الثقة لن تُستعاد بالشعارات، بل بالنتائج. فإما أن ينجح البرنامج في تحويل المقاولات من الهشاشة إلى الاستقرار، ومن البقاء إلى النمو، أو سيبقى مجرد عنوان آخر في سجل البرامج التي لم ترقَ إلى مستوى انتظارات الفاعلين الاقتصاديين.
في النهاية، لا يحتاج المقاولون في سوس ماسة إلى “خطابات محفزة” بقدر ما يحتاجون إلى أرضية صلبة ينطلقون منها نحو التوسع. و”أبريد للتسريع” اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون نقطة تحول في مسار الدعم المقاولاتي، أو حلقة جديدة في مسلسل فقدان الثقة.

