
في سياق التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، يقدّم الدكتور جمال رياض، الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مؤلَّفاً علمياً رصيناً يفتح نقاشاً معمّقاً حول موقع القاضي الدستوري في معادلة حماية الحقوق والحريات. عملٌ يتجاوز حدود العرض الوصفي، ليقترح قراءة تحليلية دقيقة لمسار الاجتهاد الدستوري المغربي، من خلال استثمار قاعدة معطيات واسعة تشمل أزيد من 1290 قراراً صادراً بين سنتي 1994 و2025.
يعتمد المؤلِّف مقاربة متعددة الأبعاد، تمزج بين التفسير النصي والتأصيل التاريخي والتحليل السوسيو-سياسي، ما يمنح الدراسة عمقاً منهجياً يسمح بفهم التحولات التدريجية التي عرفها القضاء الدستوري، سواء في بنيته أو في أدواره. ومن خلال هذا المنظور، يتم تتبع كيفية تفاعل المؤسسة الدستورية، في مرحلتي المجلس الدستوري ثم المحكمة الدستورية، مع رهانات حماية الحقوق الأساسية وضبط العلاقة مع السلطة التشريعية، في إطار توازن دقيق بين احترام إرادة المشرّع وضمان سمو الدستور.
ولا يقف الكتاب عند حدود رصد الإسهامات، بل يلامس أيضاً حدود الفعل الدستوري، حيث يثير بإحاطة علمية رصينة الإشكالات المرتبطة بفعالية الرقابة الدستورية، ومدى قدرتها على التصدي للتجاوزات المحتملة، في ظل تعقيدات السياقين القانوني والسياسي. وهو بذلك يندرج ضمن الأدبيات التي تسعى إلى تقييم موضوعي لمسار بناء دولة الحق والقانون في المغرب، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو القراءات الاختزالية.
ويخصّص المؤلَّف حيّزاً محورياً لأحد أبرز مستجدات دستور 2011، والمتعلق بآلية الدفع بعدم الدستورية، التي شكّلت تحوّلاً نوعياً في هندسة العدالة الدستورية. هذه الآلية، التي تفتح المجال أمام المواطنين لإثارة عدم دستورية القوانين أثناء النزاعات المعروضة على القضاء، تمثل نقلة نوعية نحو دمقرطة الولوج إلى القضاء الدستوري، وتعزيز موقع الفرد كفاعل في حماية حقوقه الدستورية.
في هذا الإطار، يقدّم الدكتور جمال رياض تحليلاً دقيقاً لكيفيات تفعيل هذه الآلية، مستعرضاً إمكاناتها الواعدة، كما يتوقف عند التحديات العملية والقانونية التي تعترض تنزيلها الفعلي. ويعزّز هذا التحليل بمقارنة مع تجارب دولية رائدة، من قبيل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، بما يسمح بوضع التجربة المغربية ضمن أفق مقارن يثري النقاش ويعمّق الفهم.
إن القيمة العلمية لهذا المؤلَّف لا تكمن فقط في غنى مادته وتماسك منهجيته، بل أيضاً في قدرته على الإسهام في النقاش العمومي حول مستقبل العدالة الدستورية بالمغرب. فهو يقدّم مادة تحليلية تهم الباحثين والفاعلين القانونيين وصنّاع القرار، كما يفتح أفق التفكير في سبل تعزيز استقلالية وفعالية القاضي الدستوري، بما يواكب التحولات الدستورية ويستجيب لتطلعات المجتمع.
بهذا المعنى، يشكّل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة القانونية والسياسية المغربية، وإسهاماً جاداً في ترسيخ ثقافة دستورية حديثة، قوامها احترام الحقوق والحريات، وتكريس التوازن بين السلط، وبناء دولة قانون قوية بمؤسساتها، منفتحة على المقارن، ومتصالحة مع رهانات المستقبل.

