الجمعة 10 أبريل 2026 23:59

حين يختلّ التصنيف وتُساء القراءة: “الغابة المنجمية” مشروع بيئي استراتيجي في طور الانجاز تقوده مجموعة OCP

 

في خضم النقاش العمومي الذي رافق فتح الفضاء الجديد الذي أنجزه المكتب الشريف للفوسفاط على شكل “غابة منجمية”، برزت قراءات متسرعة وأحكام انطباعية تفتقر إلى الدقة المفاهيمية، وتُسقط تمييزًا أساسياً بين الغابة والحديقة والمنتزه. وهو خلط لا يقف عند حدود اللغة، بل يعكس ارتباكاً في فهم الوظائف البيئية والرهانات المجالية لهذه الفضاءات.

الغابة، في معناها العلمي ضمن حقل الإيكولوجيا، ليست مجرد أشجار أو غطاء نباتي، بل نظام بيئي مركّب تتفاعل داخله عناصر التربة والمناخ والكائنات الحية ضمن توازن ديناميكي دقيق، بما يضمن الاستمرارية والتنوع الحيوي. في المقابل، الحديقة أو المنتزه فضاء مُهندَس يخضع لتدخل بشري مباشر، يُصمَّم وفق اعتبارات جمالية وترفيهية واجتماعية. وعليه، فإن الخلط بين هذه المفاهيم يُفرغ النقاش من عمقه، ويحوّله إلى جدل سطحي يفتقر للأسس العلمية.

الفضاء الذي تم إحداثه لا يدّعي، في مرحلته الحالية، أنه غابة طبيعية مكتملة الشروط، بل يندرج ضمن مشاريع إعادة التأهيل البيئي التدريجي لمجالات منجمية سابقة. نحن أمام نموذج انتقالي، يمكن توصيفه كـ“نظام بيئي في طور التشكل”، وهو توجه معترف به دولياً في سياسات إعادة تأهيل المجالات المتدهورة، حيث يتم تحويل أراضٍ ذات طابع صناعي إلى فضاءات خضراء متعددة الوظائف.

الانتقادات التي ذهبت إلى اعتبار هذا الفضاء “لا يرقى إلى مستوى جيد” تُجافي طبيعة المشروع وسياقه الزمني. فالغابة لا تُصنع في لحظة، بل تُبنى عبر الزمن، عبر تراكم بيولوجي وتفاعل بيئي يحتاج إلى سنوات حتى ينضج. وما نراه اليوم من تهيئة للمسارات، وتوفير الكراسي والموائد، ليس دليلاً على غياب البعد الغابوي، بل يعكس مرحلة انتقالية ضرورية تُمكّن من استعمال الفضاء بالتوازي مع تطور غطائه النباتي.

 

الأكثر دلالة هو الإقبال الملحوظ للساكنة على هذا الفضاء، حيث تحوّل إلى متنفس طبيعي ومجال للتلاقي الأسري والاجتماعي. هذا التحول من أرض ذات وظيفة إنتاجية صرفة إلى فضاء حي يعيد الاعتبار للعلاقة بين الإنسان ومجاله، يعكس دينامية مجالية جديدة تستحق التقدير، ويؤكد أن البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عن البعد البيئي.

في سياق عالمي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتدهور النظم البيئية، تكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة، إذ تُظهر أن الفاعل الاقتصادي يمكن أن يضطلع بدور متقدم في إعادة التوازن البيئي وتعزيز جودة الحياة. ومن هذا المنطلق، فإن ما قامت به مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط يشكل خطوة نوعية في اتجاه تأهيل المجال وخلق فضاءات خضراء مستدامة.

خلاصة القول، لسنا أمام غابة مكتملة ولا حديقة عادية، بل أمام مشروع بيئي مجالي في طور التشكل، يحتاج إلى الزمن والمواكبة والانخراط الجماعي. أما النقد، فضروري ومطلوب، لكن قيمته تظل رهينة بمدى استناده إلى المعرفة والدقة، لا إلى الانطباع والتسرع.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.