اعتقال منعش عقاري بخريبكة في سياق ملفات مالية معقدة أعاد إلى واجهة النقاش العمومي واقع المال غير المهيكل الذي ظل لسنوات جزءاً من المشهد الاقتصادي المحلي، قبل أن تدخل السلطات القضائية والأمنية مرحلة جديدة عنوانها التتبع الصارم لمسارات السيولة الخارجة عن القنوات القانونية.
فالتحقيقات الجارية، التي تباشرها النيابة العامة بتنسيق مع الشرطة القضائية، كشفت عن وجود منظومة موازية للتمويل، اعتمدت على ضخ مبالغ نقدية كبيرة في مشاريع واستثمارات خارج الإطار البنكي والمؤسساتي، ما جعل جزءاً من النشاط الاقتصادي بالمدينة رهين توازنات هشة ومخاطر مضاعفة.
وفي التداول المحلي، يُستعمل مصطلح “الطالع” للإشارة إلى نمط من السلف يقوم على استرجاع المال بزيادة وفي آجال قصيرة. ورغم أنه كان يُقدَّم أحياناً كحل سريع لتجاوز أزمات السيولة، إلا أن تمدده داخل قطاعات حيوية، وعلى رأسها العقار، حوّله إلى عامل اختلال بدل أن يكون أداة دعم، إذ أفرز علاقات مالية غير متوازنة تقوم على الضغط بدل الثقة، وعلى السرعة بدل الاستدامة.
المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية تشير إلى أن بعض فضاءات صرف العملة والبازارات تحولت، في مرحلة معينة، إلى نقاط التقاء لهذه السيولة غير المهيكلة، حيث يتم تسليم الأموال وعقد الاتفاقات وربط شبكات التمويل بعيداً عن أي تتبع مؤسساتي. هذا الواقع يعكس وجود فراغ تنظيمي استُعمل لتمرير عمليات مالية كبيرة خارج الدوائر الرسمية، ما جعل جزءاً من السوق عرضة للاختلالات والانفجارات المفاجئة.
ويتأكد دور النيابة العامة والشرطة القضائية كحائط الصد المؤسسي أمام تمدد المال غير المهيكل داخل الاقتصاد المحلي، من خلال التحقيقات الدقيقة، والمواجهات القانونية، وتوسيع دوائر البحث، في مقاربة تهدف إلى إعادة النظام إلى السوق دون مساس بحقوق الأطراف أو المساطر القانونية.
وفي هذا السياق، يتم التعامل بحزم مع كل من تثبت في حقه أفعال النصب أو الإضرار بثقة المعاملات، في إطار قانوني يميز بين الخطأ التجاري القابل للتصحيح والسلوك الاحتيالي الذي يستوجب المساءلة، بما يحفظ استقرار السوق ويحمي المستثمرين والمواطنين معاً.
ما تعيشه خريبكة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تصحيح بنيوي تفتح المجال لإعادة بناء الثقة في المعاملات الاقتصادية والعقارية، والانتقال من منطق السيولة الخفية إلى منطق الشفافية والمسؤولية.
فالمدن لا تتقدم حين تخفي جراحها، بل حين تملك الجرأة على معالجتها.

