السبت 31 يناير 2026 11:49

عصام أمكار يكتب: من يضبط إيقاع المرحلة السياسية المقبلة ??

 

يشهد المشهد السياسي المغربي في هذه المرحلة تحولات دقيقة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية للأحزاب الكبرى مع التحديات الراهنة، خصوصًا في سياق سنة انتخابية حاسمة، حيث لم يعد السؤال مرتبطًا فقط بمن سيتصدر الواجهة، بل بكيفية تدبير الإيقاع العام للمرحلة وحدود التحكم في مخرجاتها السياسية والمؤسساتية، وفي هذا الإطار يبرز انسحاب عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار كإشارة لافتة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإفساح المجال أمام صيغ تنظيمية جديدة داخل الحزب .

ورغم بساطة هذه الخطوة في ظاهرها، فإنها تحمل في عمقها دلالات تكتيكية واضحة، إذ تتيح إعادة توزيع الأدوار، وتساهم في تأجيل بعض الصراعات المفتوحة داخل المربع السياسي الضيق، بما يسمح بامتصاص جزء من الكلفة السياسية المتراكمة خلال المرحلة السابقة، دون الدخول في منطق القطيعة أو الاعتراف الضمني بالفشل .

وفي السياق نفسه، تُظهر هذه الخطوة – على المستوى الشكلي على الأقل – قدرة الحزب على ضبط إيقاعه الداخلي بما يحافظ على تماسك قواعده، ويمهّد لتحولات مرحلية قد تترجم لاحقًا على مستوى السياسات العامة، في محاولة لتفادي مزيد من إنهاك صورة العمل الحزبي في ظرف تعرف فيه السياسة تراجعًا في منسوب الثقة والوساطة .

 

ومن هذا المنطلق فإن الدفع بقيادة جديدة للتجمع الوطني للأحرار رغم محدودية بروزها مقارنة بالأسماء الوازنة داخل الحزب، لا يمكن قراءته في بعده الشخصي بقدر ما يندرج ضمن ديناميكية أوسع لإعادة ضبط الواجهة، وخلق مسافة محسوبة بين القيادة التنفيذية السابقة وتدبير المرحلة المقبلة، مع الإبقاء على خيوط التوازن الداخلي قائمة .

وتؤكد هذه الحركة أن حسن اختيار التوقيت، والدقة في ترتيب المواقع، قد يصنعان أثرًا سياسيًا يتجاوز منطق القوة الرمزية أو العددية، خاصة في لحظات إعادة التموضع، حيث يصبح الهاجس الأساسي هو التحكم في الكلفة لا توسيع النفوذ .

 

في المقابل يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة قد حسم إلى حد كبير خياراته المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، ويعكس هذا الحسم المبكر قدرة الحزب على ضبط إيقاعه الداخلي، وتوجيه قواعده نحو أهداف واضحة بما يعزز جاهزيته للعب دور مركزي في المشهد السياسي القادم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى فاعل سياسي منظم قادر على إدارة المرحلة دون مغامرة .

كما تكشف قراءة هذه التحركات أن الحزب يهيئ نفسه لتبوّؤ موقع الريادة داخل الحكومة المقبلة، مستثمرًا عامل الزمن لإبراز قدرته على قيادة مرحلة جديدة، في سياق سياسي يتسم بحساسية عالية تجاه كل ما يمس الاستقرار العام والتوازنات الكبرى .

ويعزّز هذا الاستقرار الداخلي صورة حزب يعتمد التخطيط المسبق، ويشتغل بمنطق استباقي، بما يتيح له توظيف موارده البشرية والسياسية بطريقة ترفع من حظوظه، وتمنحه أفضلية نسبية في معادلة تنافس لم تعد تحسمها الشعارات بقدر ما تحسمها القدرة على الضبط والوساطة .

 

وفي هذا السياق يندرج التمهيد لتولي فاطمة الزهراء المنصوري قيادة الحكومة المقبلة ضمن رغبة واضحة في ترسيخ أسس الاستقرار الداخلي والسياسي، مع توجيه إشارات محسوبة للفاعلين داخليًا وخارجيًا، بشأن القدرة على إدارة المرحلة المقبلة دون انزلاقات غير محسوبة .

وتحمل هذه الإشارات دلالات تتجاوز البعد الحزبي لتعكس وعيًا متقدمًا بحساسية الظرف، وبحاجة المشهد إلى قيادة منظمة قادرة على تأمين الانتقال بسلاسة .

أما انسحاب عزيز أخنوش في هذا التوقيت فلا يمكن اختزاله في كونه خطوة تكتيكية معزولة، بل يُقرأ كجزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بما يسمح بتهدئة بعض التوترات، وخلق هامش لمراقبة التحولات المقبلة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك والصورة العامة .

ويبدو أن هذا المسار يهدف إلى توفير مساحة استيعابية داخل الحزب تسمح للقيادة الجديدة بتثبيت موقعها تدريجيًا، دون الاصطدام المباشر بالأجنحة المؤثرة، في لحظة لم تعد فيها الدولة ولا المجتمع يتحملان مزيدًا من التجاذبات الحادة .

 

في المقابل يكشف المشهد السياسي الراهن عن وجود صراعات خفية داخل مختلف الأحزاب، تتقاطع فيها مصالح الأجنحة التقليدية مع طموحات القيادات الصاعدة، في سياق يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع وظيفة الوساطة السياسية .

فحين تُفرغ الأحزاب من أدوارها التأطيرية، وتضعف قدرتها على تمثيل الغضب الاجتماعي، يصبح الاحتجاج أكثر حدة، وتتآكل المسافات بين الشارع وأعلى مستويات القرار،

وتبرز هذه الديناميات أن إعادة ترتيب الأولويات لا تتعلق فقط بتداول الأسماء، بل بإعادة توزيع النفوذ وضبط موازين القوى بذكاء مع إدراك أن قتل السياسة لا يؤدي إلى الصمت، بل إلى انفلات التعبير بما يحمله ذلك من مخاطر على السلم الاجتماعي .

وإلى جانب هذه الديناميات الحزبية تبرز عوامل أخرى تتجاوز الأحزاب بشكل مباشر، تظهر آثارها في توقيت بعض القرارات واختيار الأسماء الحساسة، في إطار سعي عام إلى إعادة تنظيم المشهد دون الإعلان عن ذلك صراحة .

ورغم أن هذه المؤثرات لا تكون واضحة للرأي العام، فإنها تساهم في ضبط الإيقاع العام، وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق يوازن بين التحكم والمرونة .

 

وفي المحصلة يمكن قراءة التحركات الراهنة باعتبارها مقدمة لإعادة تشكيل مزيج جديد من التحالفات الحكومية، حيث يُستثمر الظرف الحالي لتحديد مواقع القوى داخل الحكومة المقبلة، ليس فقط على أساس الوزن الانتخابي، بل على أساس القدرة على لعب دور الوسيط وضمان الاستقرار .

 

إن المشهد السياسي المغربي يوحي بأن المرحلة المقبلة ليست عابرة، بل لحظة لإعادة رسم خرائط التأثير داخل الساحة الوطنية، فالتحولات داخل التجمع الوطني للأحرار إلى جانب حسم الخيارات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، تعكس استراتيجيات دقيقة لإدارة موازين القوى، وإعادة ترتيب التوازنات بسلاسة، في أفق مرحلة تتطلب عقلًا حكيما أكثر مما تتطلب خطابات حادة .

 

ويؤكد هذا المسار أن ضبط إيقاع المرحلة لا يتم فقط عبر من يتصدر الواجهة، بل عبر من ينجح في استعادة المعنى السياسي، وإعادة الاعتبار للوساطة، وتفادي منطق المغامرة، في ظرف يدرك فيه الجميع أن استقرار السياسة شرطٌ لاستقرار المجتمع .

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.