الخميس 29 يناير 2026 19:38

لماذا الآن؟ قراءة أكاديمية في بلاغ المجلس الجماعي لخريبكة وسياق فشل التدبير

خريبكة تحت المطر:

حين تسقط الأقنعة عن خطاب التدبير المحلي.

 

لم تكن الأمطار الأخيرة التي شهدتها بلادنا سوى اختبار بسيط للبنية التحتية الحضرية بمدينة خريبكة، لكنه اختبار كافٍ لكشف حجم الأعطاب، وعمق الاختلالات، وفشل المقاربة التدبيرية التي أشرفت عليها رئاسة المجلس الجماعي طيلة الولاية الانتخابية الحالية.

ففي ظرف وجيز، تحولت شوارع وأزقة المدينة إلى شبكة من الحفر، أربكت حركة السير، وهددت سلامة المواطنين، وخلقت موجة غضب عارمة في صفوف الساكنة، التي لم تعد تقبل بمنطق التبرير ولا بلغة الأعذار الجاهزة. والواقع أن هذه الحفر لم تُحدثها الأمطار بقدر ما كشفت ما كان مخفياً تحت الإسفلت: أشغال هشة، وصيانة غائبة، وتدبير يفتقر إلى الرؤية والاستباق.

أمام هذا الوضع، سارعت رئاسة المجلس الجماعي إلى إصدار بلاغ صحفي، حاولت من خلاله ربط ما وقع حصرياً بالتساقطات المطرية، وتقديم لائحة مطولة من الصفقات والأرقام والملايين. غير أن هذا البلاغ، بدل أن يشكل لحظة اعتراف ومسؤولية، بدا في نظر الرأي العام المحلي محاولة مكشوفة للهروب إلى الأمام، وتبريراً سياسياً متأخراً في نهاية ولاية كان من المفترض أن تُختتم بالإنجاز لا بالبلاغات.

 

إن تحميل الأمطار مسؤولية تدهور الطرقات يطرح سؤالاً بديهياً: هل كانت شوارع خريبكة مهيأة فعلاً لتحمل الظروف الطبيعية العادية؟ أم أن ما نراه اليوم هو نتيجة سنوات من غياب المراقبة الصارمة لجودة الأشغال، وضعف تتبع الصفقات، والتعامل مع البنية التحتية بمنطق الترقيع لا بمنطق الاستدامة؟

 

الأخطر من ذلك، أن البلاغ الصادر يوحي وكأن المدينة ما زالت في بداية التجربة التدبيرية، في حين أن الولاية الانتخابية توشك على نهايتها. ففي هذه المرحلة، لا يُفترض الإعلان عن برامج وإجراءات مستقبلية، بل تقديم حصيلة واضحة لما تم إنجازه فعلياً. وكان الأولى أن تكون خريبكة قد تجاوزت منذ سنوات إشكالات الطرق والإنارة والمرافق الأساسية، بدل أن تعود اليوم إلى نقطة الصفر مع أول موجة مطر.

 

إن المسؤولية الكاملة عمّا آلت إليه الأوضاع لا يمكن توزيعها أو تمييعها، بل تقع مباشرة على عاتق رئاسة المجلس الجماعي، التي قدمت نفسها للساكنة باعتبارها مؤهلة لخدمة المدينة وتدبير شؤونها. فالمسؤولية السياسية لا تُقاس بحجم البلاغات ولا بعدد الصفقات المعلنة، بل بمدى قدرة التدبير المحلي على حماية المدينة من الأعطاب المتكررة وضمان حد أدنى من الكرامة الحضرية للمواطنين.

 

لقد ملّ الخريبكيون من خطاب الوعود، ومن لغة “سننطلق بعد تحسن الظروف”، لأن التجربة أثبتت أن الظروف تتحسن، بينما تبقى الاختلالات قائمة. وما تحتاجه المدينة اليوم ليس مزيداً من التبرير، بل مساءلة حقيقية، ومحاسبة سياسية واضحة، وإعادة الاعتبار لمفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور.

 

فخريبكة لا تطلب المستحيل، بل تطالب فقط بحقها في تدبير جاد، وبنية تحتية تحترم ذكاء ساكنتها، ومؤسسات محلية تتحمل مسؤولياتها كاملة، لا فقط عند توزيع الوعود، بل عند مواجهة الفشل أيضاً.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.