الجمعة 29 مايو 2026 14:59

– بين صندوق الإقتراع وسلطة الخوارزميات… كيف تحوّلت وسائل التواصل الإجتماعي إلى الفاعل الخفي في صناعة القرار الإنتخابي بالمغرب

تحرير: ضحى العلياني

 

لم تعد الإنتخابات في المغرب تُحسم داخل المقرات الحزبية أو عبر الخطابات التقليدية في الساحات العمومية، بل انتقل جزء كبير من المعركة السياسية إلى فضاء أكثر تعقيداً وهدوءاً… فضاء لا يُرى بالعين المجردة لكنه يُحسم فيه جزء مهم من وعي الناخب : وسائل التواصل الإجتماعي.

ففي انتخابات 8 شتنبر 2021، لم يكن الصراع بين البرامج السياسية وحدها، بل بين من امتلك القدرة على مخاطبة المواطن داخل هاتفه، ومن ظل أسيراً لأساليب التواصل الكلاسيكية التي لم تعد تقنع جيلاً جديداً يعيش داخل الشاشة أكثر مما يعيش في الفضاء الواقعي.

لقد كشفت هذه التجربة الإنتخابية عن تحول عميق في طبيعة الفعل السياسي، حيث لم يعد “الإقناع” يعتمد فقط على الخطاب المباشر، بل أصبح يُبنى عبر المحتوى البصري، وسرعة الإنتشار، وقوة التأثير العاطفي، في بيئة رقمية تحكمها التفاعلات أكثر مما تحكمها البرامج.

داخل هذا السياق، برزت الحملات الإنتخابية كعملية تواصلية مركبة تتجاوز فكرة الترويج البسيط، لتتحول إلى صناعة صورة سياسية كاملة، يتم فيها بناء الإنطباع العام للحزب قبل حتى مناقشة مواقفه. وهنا تحديداً، يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل ما يزال الناخب يصوّت بناءً على البرنامج؟ أم بناءً على الصورة التي صُنعت له رقمياً؟

قانونياً، ما تزال الحملات الإنتخابية مؤطرة بزمن محدد لا يتجاوز 13 يوماً، وبقواعد تهدف إلى ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين. لكن واقع الفضاء الرقمي يشتغل بمنطق مختلف تماماً، إذ لا يتوقف الترويج ولا تنتهي الحملة فعلياً، بل تتحول إلى نشاط دائم يمتد عبر المحتوى والمنشورات والتفاعل اليومي، خارج أي إطار زمني مضبوط.

أما من حيث الأهداف، فقد أظهرت التجربة أن الأحزاب لم تعد تكتفي بالسعي نحو الفوز الإنتخابي، بل باتت تركّز على بناء “صورة سياسية قابلة للإستهلاك السريع”، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت الأكثر حضوراً داخل المنصات الرقمية، والأكثر عرضة للتأثير عبر المحتوى البصري السريع.

وفي هذا المستوى، لم يعد الخطاب السياسي كافياً، بل أصبح مطلوباً إنتاج محتوى مكثف، جذاب، وسهل التلقي، يعتمد على الفيديوهات والإنفوغرافيك أكثر من الإعتماد على النصوص الطويلة أو البرامج التفصيلية. وهنا يظهر تحول جوهري: السياسة تتحول تدريجياً إلى محتوى رقمي قابل للمشاركة بدل مشروع فكري قابل للنقاش.

المقارنة بين التجارب الرقمية للأحزاب خلال انتخابات 2021 تكشف بدورها عن فجوة واضحة في فهم هذا التحول. فهناك من استطاع توظيف المنصات الرقمية بشكل مكثف، مع اعتماد كبير على المحتوى البصري والتفاعل المباشر، ما ساهم في رفع نسب الوصول والتأثير، مقابل أطراف أخرى بقيت تعتمد بشكل أكبر على الخطاب النصي والشعارات، وهو ما انعكس على مستوى التفاعل داخل الفضاء الرقمي.

الأرقام في هذا السياق ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على تحول عميق في سلوك الناخب. فارتفاع نسبة التفاعل الرقمي، وهيمنة المحتوى البصري، واتساع تأثير وسائل التواصل على قرارات فئة واسعة من الشباب، كلها عناصر تؤكد أن الرأي العام لم يعد يُصنع في نفس الفضاءات التقليدية السابقة.

لكن الأخطر في هذا التحول ليس فقط في أدوات التأثير، بل في طبيعة التأثير نفسه. فحين يصبح القرار الإنتخابي مرتبطاً بسرعة الإنتشار وقوة الصورة أكثر من قوة الفكرة، فإننا نكون أمام إعادة تشكيل غير مباشرة للوعي السياسي، حيث تتداخل السياسة بالإعلان، والمعلومة بالإيحاء، والحقيقة بالإنطباع.

وهنا يظهر سؤال أكثر حساسية: من يوجه من داخل هذا الفضاء؟ هل الأحزاب هي التي تستخدم وسائل التواصل؟ أم أن منطق هذه المنصات نفسه أصبح يفرض قواعد اللعبة على الفاعلين السياسيين؟

إن نتائج انتخابات 2021، كما تكشفها المؤشرات الرقمية، تؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد قناة للتواصل، بل أصبحت فاعلاً حقيقياً في تشكيل الرأي العام، من خلال إعادة توزيع الإنتباه، وتحديد أولويات النقاش، وتوجيه التفاعل نحو قضايا دون أخرى.

وبينما ساهم هذا التحول في توسيع المشاركة السياسية، خاصة لدى الشباب، فإنه في الوقت نفسه طرح إشكالات عميقة تتعلق بمدى تكافؤ التأثير، وحدود الشفافية، وإمكانية تحول الفضاء الرقمي إلى مجال غير متوازن تتحكم فيه القدرة على التسويق أكثر من قوة الطرح السياسي.

في النهاية، لم تعد الانتخابات مجرد لحظة للتصويت، بل أصبحت نتيجة مسار طويل من التفاعل الرقمي، حيث تُصنع المواقف قبل يوم الإقتراع بوقت طويل، داخل منصات تتحكم في الانتباه قبل أن تتحكم في القرار.

وبين السياسة كما كانت، والسياسة كما أصبحت داخل الفضاء الرقمي، يظل السؤال مفتوحاً على مستوى أعمق: هل نحن أمام تطوير طبيعي للديمقراطية؟ أم أمام انتقال صامت من “رأي عام حر” إلى “رأي عام مُدار بخوارزميات التأثير”؟

تحرير: مكتب أكادير

قسم النشر بجريدة نشرة الالكترونية بمدينة أكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.