الثلاثاء 2 يونيو 2026 22:32

خريبكة تتحول إلى ورشة إفريقية كبرى للإبداع والحوار الثقافي

خريبكة.. حين تتجاوز السينما حدود الشاشة

في كل دورة من دورات المهرجان الدولي للسينما الإفريقية، تثبت خريبكة أن السينما ليست مجرد صور متحركة تُعرض في قاعة مظلمة، بل مشروع ثقافي متكامل قادر على إنتاج الحوار والمعرفة والأسئلة الكبرى. وخلال الدورة السادسة والعشرين، بدا واضحاً أن المدينة اختارت أن تجعل من المهرجان فضاءً إفريقياً مفتوحاً تتجاور فيه الشاشة مع الجامعة، والفن مع الفكر، والإبداع مع التنمية.

 

فمنذ انطلاق التظاهرة، لم تقتصر الحركة على قاعات العرض، بل امتدت إلى الخزانات الثقافية والفضاءات الجامعية والمؤسسات العمومية، حيث تشكلت خريطة موازية للمهرجان عنوانها النقاش والتفكير في مستقبل السينما الإفريقية وموقعها داخل عالم سريع التحول.

وفي الخزانة الوسائطية التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط، انطلقت واحدة من أكثر الندوات راهنية، حين اجتمع نقاد ومخرجون ومنتجون من بلدان إفريقية مختلفة لمساءلة مصير الإنتاجات السينمائية الإفريقية في زمن المنصات الرقمية. لم يكن النقاش تقنياً فحسب، بل انصرف إلى قضايا أعمق ترتبط بالسيادة الثقافية وحق إفريقيا في امتلاك سردياتها وصورها، بعيداً عن هيمنة الأسواق الكبرى ومنطق الاستهلاك السريع للمحتوى.

 

وفي بني ملال، حيث انتقلت شعلة المهرجان إلى رحاب جامعة السلطان مولاي سليمان، اكتسبت التظاهرة بعداً أكاديمياً لافتاً. فقد تحولت قاعات الجامعة إلى مختبر فكري حقيقي ناقش علاقة الأدب بالسينما، والكتابة بالصورة، والسرد بالهوية. هناك، لم تكن إفريقيا موضوعاً للدراسة فقط، بل كانت فاعلاً معرفياً يسعى إلى إعادة كتابة نفسه بنفسه، وإنتاج تمثلاته الخاصة بعيداً عن الصور الجاهزة التي ظلت لعقود تُصنع خارج حدود القارة.

 

وأبرزت النقاشات العلمية أن الرهان الثقافي اليوم لا يقل أهمية عن الرهان الاقتصادي أو التنموي، لأن الأمم التي لا تنتج صورها الخاصة تظل رهينة صور الآخرين. ومن هذا المنطلق، تحولت الندوات الفكرية للمهرجان إلى فضاء للتفكير الجماعي في مستقبل الثقافة الإفريقية ودور السينما في بناء الوعي والذاكرة المشتركة.

وفي قلب خريبكة، لم تغب لحظة التفاعل المباشر بين الجمهور وصناع الأفلام. فقد احتضنت فضاءات المدينة جلسات مطولة لمناقشة الأعمال المشاركة، تحولت خلالها العروض السينمائية إلى مادة للنقد والتحليل والحوار، في مشهد يعكس نضج التجربة السينمائية الإفريقية وقدرتها على إثارة الأسئلة الجمالية والفكرية والإنسانية.

أما أكثر الصور تعبيراً عن روح هذه الدورة، فكانت تلك التي رسمها الأطفال داخل فضاءات “سينما الطفل”. هناك، التقت البراءة بالفن، وتحولت الشاشة إلى نافذة للحلم والاكتشاف. أطفال من الوسطين الحضري والقروي، وآخرون في وضعية إعاقة، وجدوا أنفسهم في قلب تجربة ثقافية وإنسانية جعلت من السينما وسيلة للإدماج والتربية والانفتاح على العالم.

ولأن المهرجان يؤمن بوحدة التعبير الفني، فقد حضرت الموسيقى والفنون التشكيلية بقوة في مختلف الفضاءات، حيث امتزجت الإيقاعات القادمة من بلدان القارة بألوان الفن الإفريقي وذاكرته البصرية، لتتحول خريبكة إلى ملتقى حقيقي للثقافات الإفريقية ومختبراً حياً للتنوع الخلاق.

ولم يكن هذا الحراك الثقافي بعيداً عن النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة. فقد عرفت خريبكة خلال أيام المهرجان دينامية ملحوظة شملت الفنادق والمقاهي والمطاعم ووسائل النقل ومختلف الأنشطة التجارية، في مشهد يؤكد أن الثقافة ليست ترفاً، بل استثماراً في التنمية وإنتاجاً للقيمة الاقتصادية والرمزية في آن واحد.

هكذا، تبدو الدورة السادسة والعشرون أكثر من مجرد موعد سينمائي. إنها تجربة ثقافية شاملة أعادت وضع خريبكة في قلب الخريطة الثقافية الإفريقية، وجعلت منها، مرة أخرى، فضاءً تتقاطع فيه الأفكار والصور والأصوات القادمة من مختلف جهات القارة.

ومع تواصل الأنشطة إلى غاية السادس من يونيو، تواصل المدينة كتابة فصل جديد من علاقتها التاريخية بالسينما الإفريقية، استعداداً لحدث أكبر يلوح في الأفق: الاحتفاء بخمسين سنة من الوفاء لقارة جعلت من خريبكة إحدى عواصمها الثقافية الأكثر رسوخاً وتأثيراً.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.