عاد ملف الربط البحري لجهة سوس ماسة إلى الواجهة من جديد، بعد اللقاء الذي جمع وفداً من الجهة بمسؤولين بجزر الكناري، والذي تُوّج بالإعلان عن قرب إطلاق خط بحري مباشر بين أكادير ولاس بالماس. إعلانٌ يحمل في ظاهره طموحاً اقتصادياً كبيراً، لكنه في عمقه يثير نفس الأسئلة القديمة التي لم تجد بعدُ أجوبة مقنعة.
فالمبادرة، رغم أهميتها الاستراتيجية في تعزيز المبادلات التجارية وتقوية موقع الجهة كبوابة نحو إفريقيا، تصطدم بواقع مليء بالوعود المؤجلة. إذ لم يمض وقت طويل على الترويج لخطوط بحرية نحو داكار وقادس، قبل أن تختفي من المشهد دون أثر، تاركة خلفها شكوكا متزايدة حول جدية التنزيل وقدرة الفاعلين على تحويل التصريحات إلى مشاريع قائمة.
المتابعون للشأن الجهوي يرون أن الإشكال لم يعد في غياب الأفكار أو الطموحات، بل في فجوة واضحة بين الخطاب والإنجاز. فالإعلانات تتكرر، لكن دون تقديم معطيات دقيقة حول مراحل التقدم أو الإكراهات الحقيقية التي تعيق التنفيذ، ما يعزز الانطباع بأن بعض هذه المشاريع تُستعمل أكثر للتسويق السياسي منها كبرامج قابلة للتطبيق.
كما أن إطلاق خط بحري دولي لا يندرج ضمن القرارات السهلة، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل الجدوى الاقتصادية، التزامات شركات النقل، التنسيق المؤسساتي، وجاهزية البنيات التحتية. وهي عناصر لا تزال غائبة عن النقاش العمومي، ما يزيد من منسوب الحذر لدى الفاعلين الاقتصاديين.
وفي المقابل، لا أحد ينكر أن جهة سوس ماسة تتوفر على مؤهلات حقيقية لتكون قطباً لوجستياً واعداً، غير أن تحقيق هذا الرهان يمر عبر القطع مع منطق “الإعلان” والانتقال إلى منطق “التنفيذ”، المبني على التعاقد، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في النهاية، يظل مشروع الخط البحري أكادير – لاس بالماس خطوة إيجابية من حيث النوايا، لكنه يبقى أمام اختبار حقيقي: إما أن يشكل انطلاقة فعلية نحو ربط بحري مستدام، أو أن يلتحق بسابقيه في أرشيف “الخطوط الورقية” التي لم تغادر رفوف الوعود.

