السبت 14 مارس 2026 00:26

ظَــاهِـرَة التَّسَــوُّلُ فِي المَغْــرِبُ صَــارَت، حِــرْفَة الحَــرَّافَة (شهــر رمضــان نمــوذج)

إن ظاهرة التسول بالمغرب صارت حرفة منظمة على طول السنة تحركها شبكات تضع لها القواعد والأماكن للمتسولين للإغتناء على حساب إنسانية المغاربة وتعاطفهم الديني عبر إعتماد أساليب عمل قائمة على أسلوب العاهات المفتعلة وإستغلال التكافل الديني الإجتماعي المدفوع برغبة نيل الأجر والثواب الأخروي من خلال خطاب ديني عاطفي مناسباتي يكثر ويزدهر خلال شهر الصيام والقيام، إن أسباب تفشي ظاهرة التسول في رمضان بالخصوص تجد أسبابها في التحول القائم أو الإستناد الحاد للمتسولين خلال هذا الشهر على آليات عمل ترتبط بالمزج بين المعطى العاطفي للظاهرة المرتبط بالعجز والفاقة والمعطى الديني المرتبط بالثواب والأجر الذي سيناله المتعاطف والمقدم ليد المساعدة خلال هذا الشهر، فالمواطنون يقعون أحيانا ضحايا بين مخافة الله من عدم إعطاء السائلين خوفا من الحاجة الحقيقية وبين عدم الحاجة والتمثيل والنصب والإحتيال حيث يستغل المتسولون رمضان كشهر خير للعزف على أوتار الرحمة والعطاء والصدقة والزكاة.     

 

إن شهر رمضان ميدان فسيح للتنافس والكل يتنافس على طريقته الخاصة ووفق غاياته فهناك من يتنافس في العبادات لإبتغاء الأجر ونيل رضا الله، وهناك من يتنافس في ترويج السلع الرمضانية لتحقيق الربح، وهناك من يتنافسن في إعداد الأكلات والحلويات لفتح شهية أفراد الأسرة الصائمة، وهناك صنف يتنافس في حرفة التسول لجمع المال بإستجداء وتذلل فهم يستغلون رمضان بأساليب إحترافية ويختارون أماكن إستراتيجية وبطرق منظمة، في الأيام العادية يتوزع المتسولون على الأماكن بطريقة أقل إحترافية ويكون عددهم أقل ويكون إستخدام الخدع والحيل أيضا ليس بالمستوى الذي يبتدعونه في شهر رمضان فقبل أن يهل شهر رمضان يقوم  هؤلاء المتسولين بتجميع الأطفال  وخاصة من به عاهة أو منظره مثير للشفقة فيكون طعما يصطادون به الناس وعطفهم وحتى إختيار الأماكن لا يكون إعتباطيا من منطلق (المتسول المناسب في المكان المناسب).        

إن ظاهرة التسول في رمضان ذات خصوصية تفرضها تحولات لها إرتباط وثيق بالإلتزام الديني الممزوج بكرم المغاربة ووقوفهم إلى جانب بعضهم أثناء الحاجة يجد فيها المتسولون وشبكاتهم فرصة لتحقيق الإغتناء السريع على حساب التماسك الإجتماعي للمغاربة، فكثيرة هي المظاهر الرمضانية التي تثير القلق والتي تستحق الكتابة والتنبيه ومنها ظاهرة التسول التي أصبحت بكل أسف واحدة من أسوأها التي شوهت الصورة الجميلة لهذا الشهر الكريم الذي بدأ يفقد الكثير من وهجه وسحره، فظاهرة التسول ليست ظاهرة خاصة برمضان بل هي ظاهرة تكثر في جميع المناسبات خاصة الدينية وغير الدينية مستغلة الجو العام الموسوم بطابع الروحانية فهي تستشري كالنار بالهشيم وبألوان وأطياف مختلفة ويتفنن أصحابها بآليات حديثه ووسائل إقناع بحيث يستغل بعض ضعاف النفوس-من غير المحتاجين- لدرجة أنه لم يعد يميز بين من يستحق الصدقة ومن لا يستحقها. 

إن ظاهرة التسول في رمضان وتناميها بالفضاء العام دفع الفعاليات الحقوقية إلى التنبيه للأبعاد الخطيرة التي باتت تشكلها هذه الظاهرة خاصة حينما يتعلق الأمر بإحتراف التسول بالشوارع وأمام المؤسسات والمساجد وما ينتج عنه من إستغلال للأطفال، فلقد بات عدد من المواطنين بمواقع التواصل الإجتماعي يعبرون عن إيجاد أنفسهم عرضة لكل أشكال المضايقات التي تصدر من طرف أطفال ونساء وكذا رجال يحترفون التسول ويعترضون الطرق والممرات بشكل أصبح يهدد السلامة الطرقية والأمن العام، وهنالك إحصائيات رسمية وضعت المغرب في صدارة الدول العربية التي تعاني من ظاهرة التسول حيث أن عدد المتسولين يقدر بالمغرب إلى حوالي 195 ألف متسول فهذه الظاهرة الإجتماعية أصبحت في تطور مستمر في المغرب فكل فئات المجتمع من جميع الأعمار ومن الجنسين يحترفون على حد سواء حرفة التسول فهي من وجهة نظر إجتماعية حرفة تدر دخلا هاما لا يتطلب شهادات أو جهدا.

إن الطابع الإستعجالي للتصدي لخطورة هذه الظاهرة يأتي وفق مقاربة شمولية ذات بعدين وقائي وعلاجي تهدف إلى وضع إطار للتعامل مع الظاهرة في أبعادها المختلفة عن طريق تظافر وتنسيق جهود كل المتدخلين من قطاعات حكومية وجماعات محلية ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات متخصصة وقطاع خاص للحد من الظاهرة المسيئة، فالتسوّل على أوجه هذه الأيام وفنونه كثيرة ونحتاج لتضافر جهود الجميع لتمحيص الغث من السمين وأن أي تأخير في مواجهة هذه الظاهرة سيجعل الحلول مستقبلا غير ممكنة أو على الأقل ستتطلب مجهودات مضاعفة ويجب التعامل معها مباشرة أولا وفق القانون عبر تحريك المتابعة القضائية في حق هؤلاء المتسولين خاصة مستغلي الأطفال في التسول وهو ما يستلزم فتح نقاش عمومي آني حول الموضوع ولا يتطلب حلولا ترقيعية بل يجب العمل على إيجاد حلول واقعية مع إستحضار تداعيات الأزمة الإقتصادية على المواطن المغربي.

عبد الإله شفيشو /فاس                   

تحرير: مكتب أكادير

قسم النشر بجريدة نشرة الالكترونية بمدينة أكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.