الثلاثاء 14 أبريل 2026 20:17

الْيَسَـار الْمَغْرِبـِي والْمَوَاقِـف الْمُنْتَهِيَـة الْصَّلَاحِيَـة

في اليوم الذي حققت فيه أحزاب اليسار الفرنسية المنضوية في إطار (الجبهة الشعبية الجديدة) إنتصارا شعبيا في الإنتخابات التشريعية فالدلالة التي يصح إستخلاصها من هذه النتيجة هي حضور حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في قلب الكثير من السجالات ولم يكن غريبا أن قوى اليسار المتضامنة مع غزة حصدت معدلات تصويت عالية داخل الأوساط المتعاطفة مع القضية الفلسطينية وسارعت إلى إعلان العزم على الإعتراف بالدولة الفلسطينية فور تسلمها السلطة، وإذا كان من المبكر الإفتراض بأن موجة رياح اليسار أخذت تعلو في أوروبا بعد “إسبانيا” و”بريطانيا” و”فرنسا” فإنه من المشروع قراءة إتجاه هذه الرياح نحو بلدنا ويسارينا ونحن مقبلين على الإنتخابات، ففي ذات اليوم قررت أن أخرج من رداءة تلك المواقف المنتهية الصلاحية والساذجة التي كنت عن قناعة مؤمنا بتبنيها بحيث صرت أشعر بأنني أبيع معلبات فاسدة مر وقت إستهلاكها وتحولت من يساري مؤمن بمبادئ الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية والمساواة إلى مخبر حقير يتجسس على الحروف والنقاط فبدأ شيء من اليأس والمرارة يملئني خاصة لما تساءلت مع نفسي عن فائدة ما كدست من أحلام طوال سنوات نضالي في صفوف اليسار؟.
سأتساءل كيساري في هذا اليوم وبكل هدوء وفي هذا الظرف الحرج لماذا هذا الغياب الآثم لعدد من يساريينا عن أوجاع وقضايا وطنهم وشعبهم ومستقبل أبنائه وبناته؟ ولماذا هذا الإنكفاء عن ممارسة دورهم التعبوي؟ مع أن غالبيتهم ـ ما شاء اللهُ – نجوم في التقاط الصور في الندوات والتجمعات وهم يتشدقون وينظرون عن السياسة مع العلم أن دور اليسار الرائد الغيور بشرف الإنتماء أن يكون مدافعا بقلمه وصوته وحضوره عن قضايا وطنه أولا وقبل كل شيء، فيمكن القول إن اليسار المغربي اليوم وفي الأحوال كلها حافظ على خطاب دائري عقيم وجدل أجوف مستخدم مصطلحات العمالة والتخوين وعازف عن أي فعل إيجابي يمكن أن يطرح بديلا لائقا لتبنيه والبناء عليه وبالإضافة إلى تلك بات يساير الإرتزاق متمرس في أيديولوجيته طالبا من مخالفيه الإصطفاف خلف تياره والإنضمام إليه وربما إستخدام تعبيراته وهو جاهز بإتهام من يخالفه الرأي بالعمالة إن هه لم يتفق مع طروحاته وأفكاره، إن اليساري في هذا الزمان المغربي البئيس مثله مثل منتهزي الفوضى من تجار الدين الذين لا يرون في الثورة فعلا تاريخيا بمقومات وشروط وأهداف تبدل طريقة حياة الناس إلى الأرقى والأكثر مدنية فنقرأ اليوم لليساري المغاربي تنكره لماضيه السياسي والفكري ويتخذ مواقف مخزية ضد شعوب تتعرض للعدوان وتدمر قدراتها الحياتية من طرف الإمبريالية الصهيونية(فلسطين، سوريا، لبنان، إيران، فنزويلا …) فصار يرى في الغزاة مناصرين للحرية فهو يرى في السياسة مجرد تراكم من المواقف يتزايد بها على البعض حتى وإن هي مواقف منتهية الصلاحية.
أزمة اليسار المغربي إحتلت دوما مكانة مرموقة في مسلسل التأزيم المعتاد فثلة من اليساريين حيدت نفسها وقلمها وصوتها عن الرصد وقرع ناقوس الخطر لمجمل الوقائع والقضايا الساخنة على رأسها الأزمة الإقتصادية والإجتماعية لسبب قد يكون أسه الخوف أو عدم القناعة أو الكفر بالهوية الوطنية من الأساس أو لغاية مبيتة بنفس يعقوب، ففي اللحظة التي يشكل فيها اليسار بمفهومه الشمولي الكتلة الواعية الفاعلة في المجتمع ومصدر قوته الحقيقية وطليعته القادرة على تشخيص الوقائع وكشف الخلل وإجتراح الحلول وطرح المبادرات وصولا إلى التغيير الإيجابي المطلوب نرى اليوم اليسار في المغرب أفرد المساحات الكبيرة للحديث عن أزمته الخاصة موضحا آثارها وتداعياتها عليه معللا ذلك بمواقف منتهية الصلاحية(الإستبداد السياسي، الرأي العام غير المستنير… )،فمثل هذه المواقف المنتهية الصلاحية إنما هي بمنزلة تنازل مقصود لدور اليسار المدوّر كالرصيد المدور بإنتظار ما ستسفر عنه الأحداث من تطورات وعندها يصبغ وجهه وقلمه وصوته بالتلوين الذي يشاء ليضع قدمه من جديد على السكة التي يريد ، إن من أبسط واجبات اليسار الذود عن قضايا الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية والوقوف في وجه أصحاب الأقلام المأجورة والوجوه المسفوحة وأرباب الأصوات والمواقف والقنوات المستلبة.

اليوم لم يعد لليسار بالمغرب ثمة وقت للتسكع ثقافة أو فكرا ولا حتى في المقاهي وعلى الأرصفة ولم يعد ثمة جدوى لمراكمة المزيد من المواقف المنتهية الصلاحية فوق ما تراكم منها ويكاد أن يتعفن ولم يعد ثمة هوامش وأرصفة للحياد أو الصمت وإستخدام حاسة النظر فحسب في تأريخ ما يجري وتسجيل وقائعه كما لو أنه يدور في بلاد الواق واق، لا وقت لحياد لمؤرخ منهم ولا لحكمة لمنظريهم ولا لعزلة اليساري الزاهد نكون جميعا أو لا نكون، فاليوم ثمة لحظة فقط لمحاكمة عقلية يجريها كل من يتبنى الفكر اليساري بينه وبين ذاته بين أن يكون يساريا ملتزما مبدعا ورائدا ومبادرا وبين أن يتحول إلى قرص مضغوط على رف مهمل ومغبر أو في جهاز كمبيوتر لا يجيد سوى اللغو والتكرار والإجترار، اليوم ثمة لحظة فقط ليراجع كل يساري المواقف والرؤى المنتهية الصلاحية فلا تعود الثورة ضجيج وفوضى بل حياة جديدة متجددة ولا تعود الديمقراطية صناديق وطوابير وأوراقا بيضاء بل وعيا وسلوكا أولا ولا يعود الوطن سوق بازارات ومساومات بل حرية وسيادة وإستقلالا في إتخاذ القرار.
عبد الإله شفيشو / فاس

تحرير: مكتب أكادير

قسم النشر بجريدة نشرة الالكترونية بمدينة أكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.