تتجه أنظار الأوساط الاقتصادية والقانونية في المغرب إلى محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، التي وجدت نفسها أمام واحد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ قطاع المحروقات، والمتعلق بملكية مجموعة “بيترومين أويلز”، وهي شركة تحتل موقعاً متقدماً ضمن الفاعلين الرئيسيين في سوق توزيع الوقود.
هذا النزاع لا يقتصر على خلاف عائلي تقليدي، بل يتجاوز ذلك ليطرح أسئلة عميقة حول حكامة الشركات، وشفافية نقل الملكية، وحماية حقوق الورثة داخل المنظومة الاقتصادية المغربية.
جذور النزاع: من إرث عائلي إلى صراع قانوني
تعود بداية الخلاف إلى أواخر التسعينيات، تحديداً بعد وفاة المؤسس الحاج محمد أمهال، أحد الأسماء البارزة في قطاع المحروقات. ففي سنة 1997، تم عقد جمع عام استثنائي انتهى – حسب رواية الطرف المقابل – إلى خروج عائلة أمهال من رأسمال الشركة بشكل كامل.
غير أن ورثة أمهال، وعلى رأسهم مصطفى أمهال، يشككون في شرعية هذه العملية، معتبرين أن أكثر من 59% من أسهم الشركة تم الاستحواذ عليها بطرق غير قانونية، مع غياب أدلة واضحة على أداء المقابل المالي أو وثائق تفويت سليمة.
في المقابل، تؤكد عائلتا فاضلي وبيشا، اللتان تديران المجموعة منذ نحو ثلاثة عقود، أن كل الإجراءات تمت وفق القوانين الجاري بها العمل، ما يعكس تعارضاً جذرياً في الروايات القانونية.
مسار قضائي طويل ومعقد
بعد سنوات من المحاولات الودية، دخل النزاع أروقة القضاء، حيث رُفضت دعاوى ورثة أمهال ابتدائياً سنة 2022، ما دفعهم إلى تصعيد المعركة عبر الاستئناف، مدعومين بفريق دفاع قوي وخبراء دوليين في تحليل الوثائق والتوقيعات.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تقدمت العائلة بطلبات إضافية، من بينها:
- الطعن في حياد الهيئة القضائية
- طلب نقل الملف خارج الدار البيضاء
- إثارة شبهة تضارب المصالح
وهي خطوات تعكس حجم التوتر القانوني وحساسية الملف.
شركة في قلب الرهانات الاقتصادية
تكمن أهمية هذا النزاع في الوزن الاقتصادي لمجموعة “بيترومين أويلز”، التي تحتل المرتبة السابعة في سوق المحروقات بالمغرب، بحصة تقارب 6% ورقم معاملات يفوق 5 مليارات درهم.
هذا المعطى يجعل من القضية أكثر من مجرد خلاف عائلي، إذ إن أي تغيير في هيكلة ملكية الشركة قد يؤثر على:
- توازنات سوق توزيع المحروقات
- المنافسة بين الفاعلين الكبار
- استقرار شبكة التزود بالطاقة
كما أن حضور عائلة بيشا في قطاعات استراتيجية أخرى، مثل الطاقة والصناعات الغذائية، يزيد من حساسية الملف وتشابكه الاقتصادي.
بين القانون والاقتصاد: سيناريوهات الحكم
القرار المرتقب لمحكمة الاستئناف لا يمثل فقط نهاية مرحلة قضائية، بل قد يشكل نقطة تحول في تاريخ الشركة والقطاع ككل، حيث يمكن تصور سيناريوهين رئيسيين:
- تثبيت الوضع القائم
وهو ما يعني استمرار تسيير الشركة كما هو منذ حوالي 30 سنة، مع إغلاق الملف قضائياً. - إعادة توزيع الملكية
وهو سيناريو أكثر تعقيداً، قد يؤدي إلى إعادة هيكلة رأسمال الشركة، وربما دخول فاعلين جدد أو إعادة تموقع الورثة داخلها.
خلاصة
قضية “بيترومين أويلز” ليست مجرد نزاع حول أسهم، بل هي اختبار حقيقي لمدى قوة المنظومة القانونية في حماية الحقوق داخل الشركات العائلية الكبرى، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة القانونية.
وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى هذا الملف مرشحاً ليكون سابقة قانونية في المغرب، قد تعيد رسم قواعد اللعبة داخل واحدة من أهم القطاعات الاستراتيجية في البلاد.

