منير علام ✍️

يشهد العالم الآن حربا بين روسيا و أوكرانيا الكل يتابع مجرياتها و يشد أنفاسه مما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

و بدأت تطورات هذه الحرب منذ سنة 2014 حين تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في أوكرانيا و شجعت بعض المظاهرات ضد الرئيس المنتخب “فيكتور يانوكوفيتش” الموالي لروسيا الذي أوقف تنفيذ اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي و عطل انضمام دولته لحلف الناتو.

و يرجع سبب مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لأوكرانيا إلى معاهدة تم توقيعها سنة 1994 بموجبها تخلت أوكرانيا عن أسلحتها النووية مقابل حمايتها من أي هجوم روسي.

و حين رأت الولايات المتحدة الأمريكية تزايد أطماع الدب الروسي “فلاديمير بوتين” عملت على إحداث انقلاب سياسي و وضع رئيس جديد “فولوديمير زيلينسكي” ذو ميول أمريكية حتى يتسنى لها تقويض قوة الرئيس الروسي بوتين. لكن روسيا جيشت بعض الموالين لها في القرم و بعدها استولى بوتين على تلك الجزيرة و ربح منفذا آخر على البحر الأسود.

و بوصول زلينسكي لرئاسة أوكرانيا تم توقيع الشراكة مع الاتحاد الأوربي و وافق على أمر انضمام بلاده إلى حلف الناتو و تلك خطوة حملت تهديدا كبيرا لروسيا، لأن أوكرانيا تشكل منطقة الفصل بين روسيا و الاتحاد الأوروبي. و من حينها اشتد الخلاف بين روسيا و دول حلف الناتو؛ أمريكا و الدول الأوربية.

و نظرا لأهمية روسيا الاقتصادية بالنسبة لأوربا رأينا زيارة أنجيلا ميركل و ماكرون للقاء بوتين، و هذه تشكل خطوة جريئة في وجه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن الدول الأوربية قد تضررت كثيرا من السياسة الأمريكية التي لا تتوقف عن تدوير عجلة الحرب.

و في هذه الحرب عدة مآرب لكل طرف من أطرف النزاع، فالولايات المتحدة الأمريكية تريد تخويف الدول الأوربية بخطورة الحرب مع بوتين لكي ترجعها لبيت الطاعة و تستمر سطوة العم سام على القارة العجوز.

أما روسيا فتريد غزو دول أوربا الشرقية لضمها من جديد لروسيا قصد قطع الطريق عن كل الأطماع الأورو-الأمريكية التي تريد تطويق الدولة الروسية.

لكن بوتين و بفعل تكوينه السياسي و الدبلوماسي خَبِر عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حيث تولى عدة مهام نجرد البعض منها:

+ خدم بوتين 15 عامًا كضابط استخبارات أجنبي في KGB (لجنة أمن الدولة) ، بما في ذلك ست سنوات في دريسدن ، ألمانيا الشرقية.

+ شغل منصب رئيس وزراء البلاد سنة 1999 بعدما عينه يلتسين، ثم ما بين 2008- 2012.

+ أعلن يلتسين بشكل غير متوقع استقالته في 31 دجنبر 1999 وعين بوتين رئيسًا بالإنابة الذي فاز في انتخابات مارس 2000 بحوالي 53 ٪ من الأصوات، و بذلك يكون قد تولى رئاسة البلاد من 2000 إلى غاية سنة 2008، ثم من 2012 إلى الآن، كما أنه غير الدستور لكي يتمكن من الترشح لولايتين جديدتين.

فبوتين خلال هذه المدة الطويلة و في تلك المناصب و المهام المتعددة تشبع بالقومية الروسية و يريد إحياء روح روسيا القيصرية و ليس فقط السوفاتية، و يجد بوتين هذه الطموحات لدى الخبير الاستراتيجي “أليكساندر دوجين” الذي يدعو بوتين بشكل صريح إلى استعادة مجد الأوراسيا أي الإمبراطورية الروسية إبان سيطرتها على آسيا و أوربا الشرقية حيث يقول ” من حيث المبدأ تظل أوراسيا قلب روسيا، منطقة انطلاق لثورة جديدة مناهضة للبورجوازية و معادية لأمريكا… سيتم بناء الإمبراطورية الأوراسية على المبدأ الأساسي للعدو المشترك: رفض الأطلسي و السيطرة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية و رفض السماح للقيم الليبرالية بالسيطرة علينا. هذا الدافع الحضاري المشترك سيكون أساس اتحاد سياسي و استراتيجي”.

فأليكساندر الذي يقول هذا الكلام يرى في الرئيس بوتين الرجل الذي يستطيع تحقيق ذلك الأمل و ترجمة تلك الخطة إلى واقع، ” لم يعد هناك معارضون لمسار بوتين، و إذا كان هناك، فهم مرضى عقليا و يحتاجون إلى طردهم للفحص السريري، بوتين في كل مكان، و بوتين هو كل شيء، و بوتين مطلق، و لا غنى عن بوتين”.

و بخصوص نظرة الغرب لبوتين، يراها دوجين من زاوية مختلفة، “أعتقد أن الهجمات من الغرب تساعد بوتين كثيرًا. لأن الغرب يعتقد أن الليبراليين يصرخون على بوتين. إنهم يساعدون الليبراليين ، لكن الليبراليين غير موجودين. إنهم يلقون باللوم على بوتين ، و يحاولون شيطنته ، و من خلال شيطنته ، فإنهم يخلقون صورة بوتين “الشمسي” الذي نحبه. لذا فإن الغرب هو الداعم الرئيسي لبوتين و ليس الشعب الروسي. إذا كان هناك ، على سبيل المثال ، بوتين “القمري” في سياستنا الداخلية ، فسوف نثور، و لكن مع قيام الغرب بإنشاء هذه الصورة لبوتين “الشمسي” ، فلن نثور ضده ، حتى اللحظة التي نرى فيها أنه مقبول و محبوب و مدعوم من الغرب. في تلك اللحظة بالذات ، سيكون هناك نوع من رد الفعل. لذا فإن الطريقة الوحيدة لإسقاط بوتين بالنسبة للغرب؛ أن يحبه، و يمدحه، و يقبله ؛ يقدم له الهدايا، و يحتضنه ، و ستكون هذه نهاية بوتين. لكني أعتقد الآن أن الغرب يفعل كل شيء من أجل دعمه. لذا فإن دعمه الرئيسي هو الكراهية الغربية “.

و بذلك ترمي خطط دوجين و بوتين إلى استرجاع ماضي القياصرة المجيد من أجل رد الاعتبار للروس في العالم، “فقط بعد استعادة روسيا الكبرى التي هي الاتحاد الأوربي الآسيوي، يمكننا أن نصبح لاعبا عالميا ذا مصداقية”.

فبوتين تبنى هذه الفسلفة الدوجينية منذ سنواته الأولى في الرئاسة و رسخ فكرة الأوراسية، و بنى عليها خطواته الاستراتيجية في علاقته بالغرب، و لذلك يقف في وجه كل الخطط الأورو-الأمريكية التي تسعى لإنشاء قاعدة نووية في أوكرانيا قصد تقويض قوة روسيا، و في حالة سيطرته على كييف، فأغلب الظن أن بوتين لن يتوقف هناك بل سيبسط نفوذه على الدول المجاورة: بولندا، بيلاروسيا…

و هذا ما دفع أمريكا إلى تجييش الدول الأوربية في وجه بوتين.

و أمريكا من خلال هذا الغزو تعمل على تقليم أظافر الدول الأوربية لأنها لا زالت في حاجة لها في الخطط العالمية المقبلة.

و حين النظر لهذا التحرك الروسي من زاوية تاريخية، يتبين أن بوتين يشبه كثيرا هتلر في تحركاته، فهتلر حين وصل للرئاسة سنة 1933 انسحب من عصبة الأمم و رفض مقررات معاهدة فيرساي و عمل على مد نفوذه في أوربا في إطار سياسة المجال الحيوي كرد فعل على الأضرار الاقتصادية التي لحقت ألمانيا من عقوبات مؤتمر السلام ثم من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، و تحركات هتلر تلك هي التي مهدت الطريق للنزاع مع دول الحلفاء و انتهت بحرب عالمية أتت على الأخضر و اليابس.

فلم يكن بإمكان هتلر أن يتوسع بدون مساندة و بدون ضوء أخضر من القوى التي مولته و ساندته و التي كان قد تحدث عنها أنطوني ساتون في كتابه “وول ستريت و صعود هتلر”، حيث أكد في كتابه هذا أن الفوهرر كان يتلقى التمويل من العائلات المتنفذة في الولايات المتحدة الأمريكية.

و بوتين بغزوه لأوكرانيا رأينا كيف فرضت عليه عدة عقوبات اقتصادية و التي لا شك ستضعف الاقتصاد الروسي، حيث تم طرد روسيا من نظام سويفت و هو نظام يسهل انتقال رؤوس الأموال، كما انسحبت عدة شركات أهمها شيل و توتال، و هي مجموعات لها باع طويل في مجال الطاقة، و الكل يعلم أن الاقتصاد الروسي يعتمد على تصدير الموارد الطاقية خاصة الغاز الذي يزود الدول الأوربية و هذه نقطة أساسية تهدد بها الولايات المتحدة الأمريكية دول أَوربا.

فبوتين في ظل هذه العقوبات سيسعى لتعديد شركائه و الزحف على دول أوربا الشرقية لاسترجاع مجد مضى و إنقاذ اقتصاد متهالك، و هنا يمكن أن نطلق على الدب الروسي لقب “بوتلير”.

فالدولة العميقة لا تنتظر الصدف و لا تقف عند الحاضر، بل تصنع المستقبل، فكما كان هتلر يهيئ الجو لحرب شاملة، فبوتين هو الآخر يحضر لحرب لا تبقي و لا تذر، و ستكون لهذه الحرب الروسية الأوكرانية تبعات قاسية:

+ ارتفاع ثمن البترول و الغاز الذي سيعرف مستويات غير مسبوقة، ذلك أن صادرات روسيا تعتمد بشكل كبير على الطاقة. و تلك ستكون ذريعة لتشجيع الانتقال للطاقة الكهربائية إذ سيتم تسخير الإعلام للظهور بوجه المنقذ للبشرية و نشر منتفعين من الطاقة الكهربائية و متضررين من الطاقة الأحفورية.

+ ارتفاع أسعار المواد الغذائية حيث إن روسيا و أوكرانيا تصدران نسبا مرتفعة من القمح، و تزود دول العالم الثالث بشكل أساسي، و في حالة عدم إيجاد الحل ستنتشر المجاعة في عدة مناطق من العالم، و أتمنى أن لا يحدث هذا السيناريو لأن الشعوب الضعيفة ليست لها القدرة على التحمل في ظل التضخم الكبير، كما أن ارتفاع أسعار الوقود ستزيد الطين بلة و يتعمق جرح الشعوب.

و منذ فترة بدأت المواقع الإلكترونية تتحدث عن منافع الحشرات و غناها البروتيني و منافعها ليس فقط للإنسان بل حتى للبيئة ذلك أن الحشرات لا تخلف الغازات المسببة للاحتباس الحراري مثل الماشية التي تتسبب في نسب مرتفعة من غاز الميثان. و وفقا للأمم المتحدة، فإن “استهلاك المخلوقات المناسبة [الحشرات] يمكن أن يساعد في معالجة القضايا الملحة للأمن الغذائي مع توقع نمو عدد سكان العالم إلى 9.8 مليار بحلول عام 2050. يمكن للحشرات أن توفر التغذية ، مع نسبة عالية من البروتين والدهون والمعادن”.

كما أن لهذه الحرب تداعيات مالية تتجلى في إحداث خلل بين عملات العالم و يمكن أن يتطور الأمر إلى أزمة اقتصادية حادة ستنتهي باعتماد العملة الإلكترونية.

و بذلك فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على روسيا ستحدث تباطؤا في سلاسل التوريد و ستنعكس سلبا على جميع المجالات، و هذه الحرب ستحدث عالما بأقطاب متعددة؛ روسيا و الصين من جهة، و أمريكا و دول أوربا من جهة أخرى، و هذه الأقطاب لن تكون العلاقات ودية بينها، بل ستكون على كف عفريت، إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية التي ساهمت في تدمير أوربا عبر حربين عالميتين ستتدمر أيضا عبر حرب قاسية و ترثها الصين التي تعد نموذجا ناجحا لحكم العالم في ظل ما يرمي إليه المنتدى الاقتصادي العالمي و تحت مخطط إعادة الضبط الكبرى.

__________________________

https://www.britannica.com/biography/Vladimir-Putin

https://stringfixer.com/ar/Alexander_Dugin

الصفحة الرئيسية

https://www.heart.org/en/news/2021/10/22/eating-the-right-insects-can-provide-nutrition-and-might-be-good-for-the-planet

https://aspeniaonline.it/amp/a-russian-conservative-view-of-putin-interview-with-alexander-dugin/