خريبكة – في سياق وطني يتسم بإعادة ترتيب أولويات الفعل التنموي على أسس أكثر إدماجاً وعدالة، احتضنت عمالة إقليم خريبكة، صباح يوم الجمعة، أشغال اجتماع اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية برسم سنة 2026، برئاسة عامل صاحب الجلالة على الإقليم، هشام العلوي المدغري، وبحضور أعضاء اللجنة وممثلي المصالح اللاممركزة وعدد من المنتخبين والفاعلين المؤسساتيين.
في مستهل هذا اللقاء، أكد رئيس اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الأثر الاجتماعي الملموس، عبر توجيه الاستثمارات نحو المجالات الترابية الأكثر خصاصاً، وضمان الالتقائية بين مختلف البرامج القطاعية. وهو توجّه يجد سنده في الفلسفة الجديدة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، باعتبارها آلية استراتيجية لتكريس العدالة المجالية وتعزيز الرأسمال البشري.
ولم يكن هذا الاجتماع مجرد محطة إجرائية للمصادقة، بل شكّل لحظة مؤسساتية لإعادة قراءة المؤشرات التنموية بالإقليم، في ضوء برنامج طموح برسم الشطر الأول لسنة 2026، بغلاف مالي إجمالي يناهز 23,64 مليون درهم، بتمويل كامل (100%) من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في دلالة واضحة على مركزية هذا الورش الملكي في توجيه السياسات الاجتماعية على المستوى الترابي.
ثلاثة برامج… ورؤية واحدة.
يتوزع هذا البرنامج الإقليمي على ثلاثة محاور كبرى، تعكس في عمقها تحوّلاً نوعياً في مقاربة التنمية:
أولاً، برنامج تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية، والذي يضم 8 مشاريع بغلاف مالي يصل إلى 10,48 ملايين درهم، موجهة أساساً لفك العزلة وتقليص الفوارق المجالية بالمناطق الأقل تجهيزا، بما يعزز تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات الترابية.
ثانياً، برنامج مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة، من خلال 15 مشروعاً بكلفة إجمالية تناهز 3,85 ملايين درهم، يستهدف الفئات الأكثر عرضة للإقصاء الاجتماعي، في أفق تمكينها من شروط العيش الكريم والاندماج داخل النسيج المجتمعي.
أما ثالثاً، فيهمّ برنامج الدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة، عبر 14 مشروعاً موزعة على ثلاثة محاور أساسية: صحة الأم والطفل، دعم تعميم التعليم الأولي بالعالم القروي، ودعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، بغلاف مالي يقدر بـ 6,71 ملايين درهم، بما يعكس وعياً متقدماً بأهمية الاستثمار في الطفولة كمدخل استراتيجي للتنمية المستدامة.
التنمية كخيار استراتيجي لا كترف مؤسساتي.
ما يمنح هذا البرنامج قوته ليس فقط حجمه المالي أو تنوع مجالات تدخله، بل كونه يندرج ضمن رؤية متكاملة تجعل من الإنسان محوراً وغاية في الآن ذاته. فالتوجيه نحو دعم التمدرس، وتحسين مؤشرات الصحة، وتعزيز قابلية تشغيل الشباب، خاصة في مجالات واعدة كالرقمنة والأمن السيبراني، يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو اقتصاد المعرفة.
كما أن الإعلان عن إحداث اللجنة الإقليمية للتعليم يشكل خطوة نوعية لتعزيز حكامة هذا القطاع، عبر تنسيق الجهود وتحسين جودة الخدمات التربوية، خصوصاً بالعالم القروي، حيث تتقاطع إشكالات الهدر المدرسي مع معضلات البنية التحتية.
بين رهانات الإنجاز وتحديات والالتقائية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في برمجة المشاريع، بل في القدرة على تنزيلها وفق مقاربة تشاركية فعالة، تضمن النجاعة والشفافية وتسريع وتيرة الإنجاز. فالتحدي المطروح اليوم يتمثل في تحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين، وتفادي تشتت الجهود، بما يسمح بتحقيق أثر تنموي ملموس ومستدام.
إن خريبكة، وهي تخطو بثبات ضمن هذا المسار، تقدم نموذجاً لترجمة التوجيهات الملكية السامية إلى سياسات عمومية ترابية قائمة على الإنصاف والفعالية. فالتنمية، في جوهرها، ليست مجرد أرقام تُرصَد، بل هي تحوّل نوعي في شروط العيش، وإعادة توزيع عادلة للفرص، وبناء متدرج لكرامة الإنسان.
خلاصة القول، إن البرنامج الإقليمي للتنمية البشرية لسنة 2026 لا يُقرأ فقط كوثيقة تقنية، بل كإعلان عن مرحلة جديدة عنوانها: من تدبير الخصاص إلى صناعة الأثر، ومن منطق الدعم إلى منطق التمكين… وهي معادلة، إن كُتب لها النجاح، ستجعل من الإقليم فضاءً حقيقياً للعدالة
المجالية والتنمية المستدامة.

