السبت 18 أبريل 2026 22:01

مؤسسة آل سعود في صلب التكوين التربوي: زيارة علمية تعيد الاعتبار لثقافة الأرشيف

 

 

في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها منظومات التربية والتكوين، لم يعد التوثيق والأرشفة مجرد وظائف تقنية هامشية، بل أضحت ركيزة إبستمولوجية في بناء القرار التربوي وترسيخ الحكامة المعرفية. ومن هذا المنظور، تكتسب الزيارات التكوينية ذات الامتداد الميداني قيمة نوعية، باعتبارها آلية لردم الهوة بين التمثّل النظري والتجسيد العملي.

 

في هذا الإطار، حلّ قرابة مائة طالب من مسلك تكوين أطر الإدارة التربوية، يوم الخميس 16 أبريل 2026، بـ مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، في زيارة تكوينية نظّمها المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة الدار البيضاء سطات (المقر الرئيس درب غلف)، وذلك ضمن دينامية بيداغوجية تروم ربط التكوين النظري بالممارسة الميدانية.

وقد استُهلّ هذا اللقاء بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمة للأستاذ الحسن أيت بلعيد، الذي عبّر عن اعتزازه بهذه الزيارة العلمية، منوهًا بحفاوة الاستقبال، ومؤكدًا ارتباط هذه المبادرة بمضامين مجزوءة التوثيق والأرشيف التي يشرف على تأطيرها، في أفق استكشاف إمكانات إرساء شراكة مؤسساتية بين المركز والمؤسسة. كما أشار إلى حرص إدارة المركز على توسيع إشعاعه الجهوي عبر إبرام اتفاقيات تعاون مع مختلف الفاعلين الجامعيين ومكونات المجتمع المدني ذات الصلة بمجال التربية والتكوين.

 

وتضمّن البرنامج العلمي مداخلات أطر المؤسسة، حيث تم استعراض نشأتها سنة 1985، والتعريف بأهدافها ووظائفها، إلى جانب تقديم عرض تفصيلي لمسار الكتاب، منذ مراحل الانتقاء والتزويد والاقتناء، مرورًا بالفهرسة والتصنيف والتكشيف والتوطين، وصولًا إلى الإتاحة والتداول والحفظ والاستبعاد. كما شملت العروض تقديم شروحات دقيقة حول الموقع الإلكتروني للمؤسسة، والتأكيد على أهمية إحداث المكتبات داخل المؤسسات التعليمية كرافعة أساسية لنشر المعرفة.

 

ولم يخلُ اللقاء من بعد تفاعلي، حيث فُتح باب النقاش أمام الطلبة، الذين طرحوا تساؤلات عميقة همّت سبل تعزيز التعاون بين المؤسسة ومحيطها التربوي، وكذا آفاق الاستفادة من خدماتها على المديين القريب والمتوسط، بما يدعم العمل الإداري والتربوي ويساهم في تحسين جودة التعلمات.

 

وفي مداخلة تأطيرية موازية، قدّم الأستاذ عبد اللطيف سابق قراءة مقارنة بين نماذج المكتبات في فترات تاريخية سابقة والنموذج المعاصر الذي تجسده المؤسسة، مبرزًا التحولات البنيوية التي عرفها هذا المجال، ومشيرًا إلى اهتمام وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة منذ عقود بإحياء المكتبات المدرسية وتعزيز حضورها ضمن مشروع المؤسسة المندمج.

 

كما شملت الزيارة جولة ميدانية بمختلف مرافق المكتبة، اطّلع خلالها الطلبة على آليات البحث في الكتب والمراجع والوثائق، بما في ذلك المجلات والرسائل الجامعية والمخطوطات، وفق أنظمة تصنيف دولية وأخرى مبسطة، تتيح توسيع قاعدة المستفيدين وتيسير الولوج إلى المعرفة.

 

وتُعد المؤسسة من أبرز الصروح العلمية والثقافية بالمغرب، حيث تضطلع بدور محوري في دعم البحث العلمي، خاصة في مجالات الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، مع اهتمام خاص بقضايا الفضاء المغاربي. كما تحتضن مكتبة علمية متخصصة تضم مئات الآلاف من الكتب والمراجع والدوريات بمختلف اللغات، ما يجعلها قبلة للباحثين وطلبة الدراسات العليا.

 

ولا يقتصر دور المؤسسة على حفظ الرصيد الوثائقي، بل يمتد إلى مواكبة البحث العلمي وتشجيع النشر، عبر دعم الرسائل الجامعية وتنظيم الندوات واللقاءات الفكرية، بما يسهم في تنشيط النقاش الأكاديمي وتعزيز التفاعل المعرفي داخل المغرب وخارجه.

 

إنها، في العمق، تجربة تكوينية تتجاوز بعدها الظرفي، لتؤسس لوعي جديد لدى أطر الإدارة التربوية، قوامه أن تدبير المؤسسة التعليمية لا ينفصل عن تدبير المعرفة، وأن الأرشيف ليس ذاكرة جامدة، بل قوة اقتراحية لصناعة المستقبل التربوي.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.