
في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، يقدّم الدكتور أمين السعيد، أستاذ التعليم العالي في العلوم السياسية والقانون الدستوري، عملاً فكرياً رصيناً بعنوان
«الديمقراطية في مواجهة الأزمات: عيوب الليبرالية الجديدة، تهديدات الشعبوية، ومخاطر الرقمنة». ويأتي هذا الإصدار ليغوص في واحدة من أكثر الإشكالات إلحاحاً في الفكر السياسي المعاصر: هل تعيش الديمقراطية أزمة عابرة أم تحوّلاً بنيوياً يعيد تشكيل موقعها في النظام الدولي؟
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن الديمقراطية، رغم انتشارها الواسع وتكريسها كأفق كوني للحكم، باتت تواجه ضغوطاً متزايدة تهدد جوهرها المؤسسي ووظيفتها التمثيلية. ومن خلال بناء تحليلي متماسك، يسعى المؤلف إلى تفكيك مظاهر ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”التراجع الديمقراطي”، مستعرضاً تعدد المقاربات المفاهيمية التي حاولت توصيف هذه الظاهرة، من قبيل التأكل والانحدار والاضطراب الديمقراطي، لينتهي إلى خلاصة مفادها أن السلطوية، بصيغها المتجددة، تفرض نفسها كبديل أو كمنافس قوي للنموذج الديمقراطي.
في الفصل الأول، يقدّم المؤلف قراءة نقدية للتراكم النظري المرتبط بموجات التحول الديمقراطي، خاصة ما اصطلح عليه بـ”الموجة الثالثة”، متسائلاً عما إذا كانت قد بلغت سقفها التاريخي. ويعزز هذا الطرح باستحضار مؤشرات وتقارير دولية ترصد التراجع المستمر في جودة الديمقراطية عالمياً، وهو ما يفتح النقاش حول حدود النموذج الديمقراطي في مواجهة التحولات الجيوسياسية الراهنة.
أما الفصل الثاني، فيتجه إلى مساءلة الليبرالية الجديدة باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة في إضعاف الديمقراطية التمثيلية. إذ يعرض المؤلف جذور هذا التوجه الاقتصادي، وآليات انتشاره، وانعكاساته على استقلالية القرار السياسي، مبرزاً كيف أفضت سياسات السوق المفتوح إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتقويض الثقة في المؤسسات، بما ساهم في خلق بيئة خصبة للاحتجاج والرفض.
وفي الفصل الثالث، يطرح الكتاب سؤالاً إشكالياً حول طبيعة العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية: هل تمثل الشعبوية تهديداً للنظام الديمقراطي أم أنها تعبير عن اختلالاته الداخلية؟ ويقدّم المؤلف قراءة متوازنة تبرز أن الشعبوية، بمختلف تجلياتها، تنشأ داخل الأنظمة الديمقراطية، مستفيدة من آلياتها، لكنها في الآن ذاته قد تتحول إلى أداة لتقويضها من الداخل، خاصة حينما تُترجم إلى ممارسات سياسية تحدّ من التعددية وتضيق على الحريات.
ويخصص الفصل الرابع لتحليل تداعيات جائحة كوفيد-19 على الأنظمة السياسية، حيث يُبرز كيف شكلت الجائحة اختباراً حقيقياً لقدرة الديمقراطيات على إدارة الأزمات، في مقابل صعود نماذج سلطوية بدت أكثر نجاعة في بعض السياقات. غير أن هذا الطرح لا يخلو من تعقيد، إذ يثير نقاشاً عميقاً حول العلاقة بين الفعالية السياسية والشرعية الديمقراطية.
أما الفصل الخامس، فيتناول أحد أخطر التحديات المعاصرة، وهو التحول الرقمي وتأثيراته على الممارسة الديمقراطية. ويكشف المؤلف عن الوجهين المتناقضين للتكنولوجيا: فمن جهة، أتاحت فضاءات جديدة للتعبير والمشاركة، ومن جهة أخرى، أصبحت أداة للتلاعب بالرأي العام ونشر الأخبار الزائفة وتعزيز ما يُعرف بـ”السلطوية الرقمية”، حيث تُستخدم التقنيات الحديثة في مراقبة المجتمعات وتوجيه سلوكها.
وتخلص الدراسة إلى أن الديمقراطية تعيش مفارقة حقيقية: فهي من جهة في أوج انتشارها، ومن جهة أخرى تعاني من تآكل داخلي وفقدان للثقة. وهو ما يفرض، بحسب المؤلف، ضرورة إعادة التفكير في أسسها النظرية وآليات اشتغالها، بما يضمن قدرتها على التكيف مع التحديات الجديدة، دون التفريط في قيمها الجوهرية.
إن هذا العمل لا يكتفي برصد مظاهر الأزمة، بل يسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول مستقبل الديمقراطية، من خلال مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التحليل النظري والاستقراء الواقعي. وهو بذلك يشكل إضافة نوعية للمكتبة السياسية العربية، ومرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بقضايا التحول الديمقراطي في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

