الثلاثاء 28 أبريل 2026 02:38

خريبكة… من تظاهرة سينمائية إلى مؤسسة دبلوماسية ناعمة

المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة.

 

تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، يتجدد الموعد مع أحد أعرق التقاليد الثقافية في القارة الإفريقية، حيث تواصل خريبكة ترسيخ مكانتها كفضاء رمزي تتقاطع فيه الجغرافيا بالخيال، والدبلوماسية بالثقافة، في صيغة ناعمة تُجيد مخاطبة العمق الإنساني المشترك.

منذ سنة 1977، وعلى امتداد ما يقارب نصف قرن من الإبداع المتواصل، لم يكن المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة مجرد تظاهرة فنية، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا، استطاع أن يراكم رأسمالًا رمزيًا نوعيًا، وأن يفرض نفسه كمنصة إفريقية مرجعية تُعيد صياغة العلاقة بين الصورة والهوية والانتماء. هذا الامتداد لا يُقاس فقط بطول الزمن، بل بعمق الأثر الذي خلّفه في الوعي السينمائي الإفريقي.

وخلال الفترة الممتدة من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026، تتحول خريبكة إلى فضاء دينامي يحتضن وفودًا دولية من صناع السينما ونقادها ومهنييها، في مشهد يعكس مكانة هذا الموعد داخل الخريطة الثقافية الإفريقية، ويمنحه بعدًا يتجاوز الطابع الاحتفالي نحو أفق دبلوماسي ثقافي واضح المعالم.

برنامج هذه الدورة يعكس هذا التوجه، من خلال عروض سينمائية متنوعة تُجسّد تعدد الحساسيات الفنية داخل القارة، إلى جانب مسابقات في مجالات الإخراج والتمثيل والسيناريو، بما يفتح المجال أمام بروز أصوات إبداعية جديدة. كما تشكل الورشات التكوينية والندوات الفكرية امتدادًا لهذا المسار، حيث تُطرح أسئلة التحول الرقمي، وإشكالات الإنتاج والتوزيع، ضمن مقاربة تستشرف مستقبل الصناعة السينمائية الإفريقية.

وفي هذا السياق، تتأكد المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها مؤسسة المهرجان في تعزيز الدبلوماسية الثقافية للمغرب، عبر جعل السينما أداة للتقارب، ومنصة لإعادة تشكيل صورة إفريقيا من داخلها، بعيدًا عن التمثلات الجاهزة.

الملصق الرسمي للدورة بدوره يحمل حمولة رمزية دقيقة؛ خلفية حمراء ذات دلالة وطنية عميقة، تتوسطها نجمة خضراء شبه متوهجة تحتضن خريطة المغرب، في تركيب بصري يختزل توازنًا بين الانتماء السيادي والانفتاح الإفريقي، ويترجم بلغة الفن تموقعًا ثقافيًا واستراتيجيًا واعيًا.

هكذا، لا يشتغل المهرجان كموعد عابر، بل كفضاء للتفكير الجماعي وإنتاج المعنى، حيث تتحول خريبكة إلى مختبر دبلوماسي مفتوح، تُصاغ داخله ملامح إفريقيا القادرة على التعبير عن ذاتها، وصياغة سرديتها الخاصة.

وبين ذاكرة تمتد لنحو نصف قرن، ورهانات مستقبلية تفرض منطق التجديد، يظل التحدي هو الحفاظ على هذا التراكم النوعي، وتطويره ضمن رؤية تستوعب التحولات دون التفريط في الجوهر، بما يرسّخ هذا الموعد كأحد أبرز تجليات الحضور الثقافي المغربي داخل عمقه الإفريقي.

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.