
في مشهد إنساني بالغ الدلالة، احتضنت المؤسسة السجنية بخريبكة فعاليات الدورة السادسة للمهرجان الثقافي لفائدة السجناء الأفارقة، المنظم تحت شعار: “السينما تحكي قصص السجناء الأفارقة”، في مبادرة تجسد التحول المتزايد الذي تعرفه السياسات الثقافية الحديثة، حيث لم يعد الفن مجرد وسيلة للترفيه، بل أضحى رافعة للتأهيل وإعادة بناء الإنسان واستعادة الثقة في المستقبل.
وشكل هذا الموعد الثقافي محطة استثنائية ضمن الأنشطة الموازية للدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، مؤكداً مرة أخرى أن الرسالة الحقيقية للسينما لا تتوقف عند حدود الشاشة، بل تمتد إلى فضاءات المجتمع كافة، بما فيها المؤسسات السجنية التي أصبحت اليوم مجالاً لتجارب إنسانية وثقافية رائدة.

وفي كلمة حملت الكثير من العمق الإنساني والرهان الحضاري، أكد عز الدين كريران، مدير مؤسسة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، أن الاستثمار في الثقافة داخل المؤسسات السجنية هو استثمار في الإنسان ذاته، وأن السينما قادرة على فتح نوافذ للأمل وسط أكثر الفضاءات حاجة إلى المعنى والمصالحة مع الذات.
ولم تكن هذه المبادرة وليدة ظرفية عابرة، بل تندرج ضمن رؤية متكاملة تؤمن بأن الثقافة حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن الفنون قادرة على المساهمة في إعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي للنزلاء، عبر تمكينهم من فضاءات للتعبير والتفكير واستعادة الإحساس بالكرامة والانتماء.
وتكتسي هذه التجربة بعداً قارياً متنامياً، بعدما تحولت من مبادرة محلية انطلقت من خريبكة إلى نموذج إفريقي استرعى اهتمام عدد من الدول الشقيقة، التي سارعت إلى تبني الفكرة ونقلها إلى مؤسساتها السجنية، في اعتراف ضمني بقوة الثقافة كأداة للإصلاح وبنجاعة التجربة المغربية في هذا المجال.
ويعكس هذا الامتداد الإفريقي المكانة التي باتت تحتلها خريبكة ليس فقط كعاصمة للسينما الإفريقية، بل أيضاً كحاضنة لمبادرات ثقافية ذات حمولة إنسانية عميقة، تنطلق من الفن لبناء الجسور بين الأفراد والمجتمعات، وتمنح للفئات الهشة فرصاً جديدة للاندماج واستعادة الأمل.
لقد أكدت هذه المحطة أن السينما ليست مجرد صناعة للصورة، بل صناعة للوعي والذاكرة والقيم. وحين تجد طريقها إلى داخل المؤسسات السجنية، فإنها تتحول إلى لغة للمصالحة وإعادة اكتشاف الذات، وإلى أفق جديد يذكر بأن الإنسان يظل قادراً على التغيير مهما كانت التحديات والظروف.
وبين جدران المؤسسة السجنية بخريبكة، بدا المشهد أكثر من مجرد نشاط ثقافي؛ كان درساً بليغاً في قدرة الفن على الانتصار للإنسان، ورسالة حضارية تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ حين يصبح الأمل جزءاً من السياسات الثقافية، وحين تتحول الثقافة إلى حق متاح للجميع دون استثناء.

