السبت 2 مايو 2026 19:12

لم يعد حضور المرأة في مراكز القرار مجرد رقم يُدرج في الإحصاءات الرسمية أو مؤشر يُستحضر في تقارير التمثيلية السياسية،

بل أصبح سؤالًا مركزيًا يمسّ بنية السلطة ذاتها: من يصنع القرار داخل المؤسسات؟ ومن يكتفي بالحضور داخل واجهتها دون أن يمتلك تأثيرًا فعليًا في توجيه السياسات العمومية؟
في السياق المغربي، عرف حضور المرأة داخل المجال السياسي تطورًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، خاصة مع الإصلاحات الدستورية التي جاء بها دستور 2011، وما رافقها من ترسيخ لمبدأ المساواة واعتماد آليات التمييز الإيجابي لتعزيز التمثيلية النسائية داخل المؤسسات المنتخبة. وقد ساهمت هذه الدينامية في رفع نسبة حضور النساء داخل البرلمان والجماعات الترابية ومختلف الهيئات التمثيلية، في تحول يُعد مهمًا مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت فيها المشاركة النسائية محدودة للغاية.
غير أن هذا التقدم الكمي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لقياس مدى تحقق التمكين السياسي الحقيقي. فالإشكال اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بحضور المرأة داخل المؤسسات، بل بمدى قدرتها على التأثير داخلها. وهنا يبرز التمييز بين “التمثيل السياسي” و”التمكين السياسي”: الأول يرتبط بالوجود العددي داخل المؤسسة، بينما الثاني يتعلق بامتلاك القدرة الفعلية على التأثير في صناعة القرار.
فالمشاركة السياسية الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاعد أو المناصب التي تشغلها النساء، بل بمدى حضورهن داخل دوائر اتخاذ القرار، وبقدرتهن على المساهمة في صياغة السياسات العمومية والتأثير في النقاشات التشريعية وتوجيه الأولويات داخل العمل البرلماني والحكومي. ومن هذا المنظور، يبرز السؤال الجوهري: هل يعكس الحضور النسائي داخل المؤسسات تحولًا فعليًا في بنية السلطة، أم أنه لا يزال في بعض الحالات حضورًا رمزيًا أكثر منه تأثيرًا حقيقيًا؟
وتكشف الممارسة السياسية أن هذا الإشكال ليس نظريًا فقط، بل ملموس داخل الواقع المؤسساتي. فرغم ارتفاع نسبة تمثيلية النساء داخل البرلمان، ما تزال مواقع القرار الحاسمة داخل بعض اللجان البرلمانية والهياكل الحزبية تُدار في الغالب بمنطق تقليدي يحدّ من وصول النساء إلى دوائر النفوذ الفعلي. وقد برز هذا النقاش بشكل واضح خلال عدد من المحطات التشريعية المرتبطة بقضايا الأسرة والحماية الاجتماعية، حيث طُرح سؤال مدى قدرة التمثيلية النسائية على التأثير الحقيقي في توجيه النقاش العمومي وصناعة القرار.
وتتداخل في تفسير هذا الواقع مجموعة من العوامل. فمن جهة، ما تزال بعض البنى الاجتماعية والثقافية تُعيد إنتاج تصورات تقليدية حول الأدوار القيادية، مما يؤثر بشكل غير مباشر على مسارات وصول النساء إلى مراكز القرار. ومن جهة ثانية، تعكس البنية المؤسساتية نفسها نوعًا من عدم التوازن بين التمثيل العددي والتأثير الفعلي، حيث لا يوازي الحضور داخل المؤسسة دائمًا حضورًا داخل دوائر النفوذ الحقيقي.
كما أن بعض السياسات المعتمدة لتعزيز المشاركة النسائية، رغم أهميتها، قد تبقى أحيانًا في حدود تعزيز التمثيل الرمزي دون أن تُترجم بالضرورة إلى تحول عميق في آليات صناعة القرار. وهو ما يجعل مسار التمكين السياسي مسارًا تدريجيًا ومعقدًا، يتأرجح بين المكاسب القانونية من جهة، والقيود الواقعية من جهة أخرى.
ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا ينبغي أن يُختزل في رؤية سلبية أو تعميمية. فالتجربة السياسية المغربية أفرزت أيضًا نماذج نسائية استطاعت تجاوز حدود التمثيل الشكلي وتحقيق حضور فاعل داخل المجال التشريعي والسياسي، سواء من خلال التأثير في النقاشات البرلمانية أو المساهمة في صياغة بعض السياسات العمومية أو تولي مسؤوليات داخل مؤسسات القرار. وهو ما يؤكد أن الإشكال لا يرتبط بالكفاءة النسائية، بقدر ما يرتبط بمدى إتاحة الفرص المتكافئة للوصول إلى مواقع التأثير.
إن التمكين السياسي الحقيقي للمرأة لا يتحقق بمجرد فتح أبواب المؤسسات أمامها، بل حين يتحول هذا الولوج إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار العمومي. فالفارق كبير بين أن تكون المرأة حاضرة داخل المؤسسة، وبين أن تكون شريكًا فعليًا في توجيه القرار داخلها.
ومن هنا، يصبح الرهان الحقيقي مرتبطًا بإعادة التفكير في مفهوم المشاركة السياسية ذاته، من خلال الانتقال من منطق التمثيل العددي إلى منطق التأثير النوعي، ومن منطق الحضور الرمزي إلى منطق الفعل السياسي الحقيقي. فالديمقراطية لا تُقاس فقط باتساع قاعدة المشاركة، بل أيضًا بمدى عدالة توزيع السلطة داخل المؤسسات، وبقدرة مختلف الفاعلين، رجالًا ونساءً، على التأثير في القرار العمومي.
وفي نهاية المطاف، فإن تقييم حضور المرأة داخل مراكز القرار لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال العدد: كم امرأة داخل المؤسسة؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: من يمتلك سلطة التأثير داخلها؟
لأن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في دخول المرأة إلى المجال السياسي، بل في قدرتها على الانتقال من هامش التمثيل إلى قلب السلطة. فالحضور الذي لا يتحول إلى تأثير، قد يُنتج واجهة ديمقراطية أكثر مما يُنتج شراكة فعلية في صناعة القرار.

بقلم الصحفية: فاطمة الزهراء احموش

تحرير: مكتب أكادير

قسم النشر بجريدة نشرة الالكترونية بمدينة أكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.