في المشهد الانتخابي، لا تُقاس قيمة الأسماء بمدى حضورها في موسم الاستحقاقات فقط، وإنما بما تحمله من تراكم معرفي ومهني ومدني يسمح لها بخوض غمار التمثيل العام بقدر من الوعي والمسؤولية. ومن هذه الزاوية تأتي التزكية الرسمية للأستاذ يوسف الكومي، المحامي بهيئة المحامين بالرباط وابن منطقة الغرب، وكيلاً للائحة حزب جبهة القوى الديمقراطية بدائرة الغرب بإقليم القنيطرة، استعداداً للاستحقاقات البرلمانية المقبلة.

التزكية التي منحه إياها الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، مصطفى بنعلي، تمنح الكومي موقعاً متقدماً داخل السباق الانتخابي، لكنها في الوقت ذاته تضعه أمام امتحان سياسي يتجاوز حدود الحصول على التزكية إلى القدرة على تقديم نفسه للناخبين باعتباره مشروعاً للتمثيل، لا مجرد اسم ضمن لائحة انتخابية.
ويأتي هذا الاختيار في سياق سياسي تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الكفاءة داخل المؤسسات المنتخبة، خصوصاً في زمن أصبحت فيه القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية أكثر تعقيداً، ولم يعد معه الخطاب السياسي قادراً على الاستناد إلى الشعارات وحدها. فالمؤسسة التشريعية تحتاج إلى من يمتلك أدوات الفهم والتحليل والترافع، ويدرك أن العمل البرلماني مسؤولية مؤسساتية قبل أن يكون واجهة سياسية.
ومن هذه الزاوية، يمتلك يوسف الكومي رصيداً مهنياً وأكاديمياً يمنحه أرضية خاصة لخوض هذه التجربة. فهو يمارس مهنة المحاماة بهيئة المحامين بالرباط، وهي مهنة ترتبط في جوهرها بالقانون وبالدفاع عن الحقوق وبفهم النصوص وتأويلها والترافع بشأنها، بما يجعل التجربة المهنية في هذا المجال امتداداً طبيعياً للاهتمام بالشأن المؤسساتي والتشريعي.
أما على المستوى الأكاديمي، فقد راكم الكومي تكويناً قانونياً متعدد الأبعاد، من خلال حصوله على دبلوم الماستر في قانون الأعمال، وشهادة الإجازة الأساسية في القانون الخاص، فضلاً عن إجازة مهنية في تخصص المجتمع المدني.
وهذه التركيبة الأكاديمية لا تقف عند حدود المعرفة القانونية الصرفة، وإنما تجمع بين القانون ومنطق الأعمال وفهم المجتمع المدني، وهي مجالات تتقاطع اليوم بشكل وثيق مع رهانات التنمية والحكامة وتحديث الإدارة وتقوية المؤسسات وتعزيز المشاركة المواطنة.
وإذا كانت الجامعة قد منحت يوسف الكومي أدوات المعرفة، فإن الممارسة المهنية منحته فرصة اختبار تلك المعرفة في الواقع. فالمحاماة، بما تفرضه من دقة في قراءة الوقائع والنصوص، ومن قدرة على بناء الحجة وترتيب الأفكار والدفاع عن المواقف، تشكل مدرسة عملية في الانضباط المهني والقدرة على الإقناع والترافع.
غير أن المسار لا يتوقف عند حدود المهنة. فقد اختار الكومي أيضاً الانخراط في العمل الجمعوي من خلال ترؤسه لجمعية شباب الخير للتنمية الاجتماعية والرياضية والأعمال الخيرية، وهي تجربة تضعه في تماس مباشر مع قضايا المجتمع وانتظارات المواطنين، وتمنح مساره بعداً مدنياً يتجاوز الإطار المهني.
ويرى عدد من مراقبي الشأن المحلي أن تجديد النخب السياسية لم يعد ترفاً انتخابياً أو مجرد شعار يُستدعى مع اقتراب كل استحقاق، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع، وتعقّد القضايا المطروحة أمام المؤسسات المنتخبة. فالمشهد السياسي في حاجة إلى كفاءات قادرة على الجمع بين المعرفة والتجربة والمسؤولية في الممارسة، وإلى وجوه جديدة تمتلك أدوات الفهم والتحليل، وتستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تشهدها البلاد.
ومن هذا المنطلق، يكتسي انخراط الكفاءات المهنية والأكاديمية في العمل السياسي أهمية خاصة، ليس باعتبارها بديلاً عن التجربة السياسية، وإنما باعتبارها رافداً ضرورياً لتجديدها وضخ نفس جديد في مؤسسات التمثيل. فالتحدي اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بتغيير الأسماء، بل بالانتقال إلى ثقافة سياسية تجعل من الكفاءة والمسؤولية والقدرة على الترافع وصناعة الحلول معايير حقيقية لاختيار من يتحدث باسم المواطنين داخل المؤسسات الدستورية.
ومن هنا تتشكل ملامح تجربة تقوم على ثلاثة روافد متكاملة: تكوين أكاديمي في المجال القانوني، ممارسة مهنية في المحاماة، وانخراط في العمل الجمعوي. وهي عناصر تمنح المرشح قاعدة يمكن أن ينطلق منها نحو العمل السياسي، لكنها لا تعفيه من التحدي الأصعب: إقناع الناخب بأن هذه المؤهلات قادرة على إنتاج تمثيل سياسي ذي قيمة مضافة.
فدائرة الغرب بإقليم القنيطرة ليست مجرد عنوان انتخابي، وإنما فضاء اجتماعي وترابي له انتظاراته وأسئلته وتحدياته. ولذلك فإن أي طموح للتمثيل البرلماني داخلها يقتضي خطاباً قادراً على الإنصات قبل الكلام، وعلى تشخيص الإشكالات قبل تقديم الوعود، وعلى الانتقال من لغة المطالب العامة إلى تصورات دقيقة بشأن التنمية وفرص الشغل والخدمات العمومية والعدالة المجالية وقضايا الشباب.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار السياسي الحقيقي أمام يوسف الكومي.
فالمحامي الذي اعتاد الوقوف أمام النصوص والقواعد القانونية سيجد نفسه أمام واقع انتخابي تحكمه معادلة مختلفة: ثقة المواطن. وهذه الثقة لا تُنتزع بالشهادات، ولا تُمنح بالصفة المهنية، ولا تُحسم بالتزكية الحزبية، وإنما تُبنى عبر الحضور الميداني والوضوح والقدرة على تقديم خطاب يحترم ذكاء الناخب ويخاطب انشغالاته الفعلية.
كما أن اختيار شخصية تنتمي إلى الحقل القانوني للعمل البرلماني يحمل دلالة أخرى؛ فالبرلمان ليس فضاءً للتعبير السياسي فقط، بل مؤسسة دستورية تضطلع بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. ومن ثم فإن امتلاك أدوات القانون يظل عاملاً مساعداً على فهم طبيعة المهمة البرلمانية، شريطة أن يتحول هذا التكوين إلى ممارسة مؤسساتية منتجة.
ولعل الرهان الأكبر في تجربة الكومي سيكون هو تحويل الرصيد الشخصي إلى قيمة جماعية؛ أي أن يصبح التكوين الأكاديمي وسيلة لفهم قضايا المنطقة، وأن تصبح الخبرة المهنية أداة للترافع، وأن يتحول العمل الجمعوي إلى معرفة دقيقة بحاجات المجتمع، ثم تجتمع هذه العناصر كلها في مشروع سياسي قابل للنقاش والمساءلة والتقييم.
في المقابل، فإن الحملة الانتخابية المقبلة ستضع هذه التجربة أمام واقع تنافسي مفتوح، حيث لن تكون المنافسة بين الأحزاب فقط، بل بين تصورات مختلفة للتمثيل السياسي. وفي مثل هذه المنافسة، لا تكفي قوة الاسم ولا ثقل التنظيم، وإنما تصبح القدرة على بناء خطاب رصين، وتقديم برنامج واقعي، والتواصل مع الناخبين بلغة مسؤولة، عناصر حاسمة في تشكيل الاختيار الانتخابي.
يوسف الكومي يدخل إذن هذه المحطة من موقع يحمل أكثر من دلالة: محامٍ يمارس القانون، أكاديمي راكم تكويناً متخصصاً، وفاعل جمعوي اختار الاحتكاك بالمجتمع. وهذه العناصر تمنحه رصيداً أولياً، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف الانتظار منه.
فالناخبون لا يبحثون فقط عن من يطلب أصواتهم، وإنما عن من يستطيع أن يمنح أصواتهم معنى داخل المؤسسة التشريعية.
وبين التزكية الحزبية وصناديق الاقتراع، مسافة لا يقطعها إلا الإقناع. وبين السيرة الذاتية والتمثيل البرلماني، امتحان حقيقي عنوانه القدرة على تحويل المعرفة إلى موقف، والموقف إلى تصور، والتصور إلى ترافع مؤسساتي يخدم المجال الترابي وساكنته.
ومن هذه النقطة تحديداً تبدأ رحلة يوسف الكومي السياسية؛ لا باعتباره مرشحاً يحمل سيرة مهنية وأكاديمية فحسب، وإنما باعتباره وجهاً جديداً يدخل إلى معترك انتخابي سيكون فيه السؤال الأهم ليس: من هو المرشح؟ بل: ماذا يستطيع أن يقدم للناخبين ولمنطقة الغرب إذا منحوه ثقتهم؟

