لم يكن المشهد عادياً داخل مجلس جهة سوس ماسة بمدينة تارودانت. دورة أكتوبر 2026 لم تنعقد، ليس بسبب خلاف على نقطة واحدة داخل القاعة، وإنما لأن أغلبية واسعة من أعضاء المجلس لم تلتحق أصلاً بالجلسة، إذ لم يتجاوز عدد الحاضرين 21 عضواً من أصل 57.
غياب 36 منتخباً أسقط النصاب وأجّل دورة كانت تحمل في جدول أعمالها 19 نقطة، بينها اتفاقيات ومشاريع بمضامين مالية وتنموية. وبينما قد يبدو الأمر في ظاهره مسألة إجرائية، فإن خلفيات المقاطعة المتداولة تمنح الواقعة بعداً سياسياً يتجاوز بكثير مسألة الحضور والغياب.
المعطيات المتداولة تتحدث عن خلافات داخل مكونات الأغلبية حول إعداد جدول الأعمال وإدراج اتفاقيات بعينها، وسط اعتراضات على الطريقة التي تمت بها برمجة بعض النقط. وفي الوقت نفسه، برزت إلى الواجهة أحاديث عن اتفاقيات تصل قيمتها إلى ملايين الدراهم، وعن منتخبين يقال إنهم يدفعون في اتجاه الاستفادة منها.
هذه المعطيات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية قبل العودة إلى الوثائق، لكنها تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: من يقترح الاتفاقيات؟ ومن يحدد المستفيدين؟ وما المعايير المعتمدة في اختيار المشاريع؟ وهل تمر جميع الملفات عبر المساطر نفسها؟ ومن يشارك في إعدادها ومناقشتها والتصويت عليها؟
والأكثر حساسية هو ما يتم تداوله حول استفادة قريب أحد نواب الرئيس من دعم مالي بملايين الدراهم. هنا أيضاً لا تكفي الرواية المتداولة للحسم، لأن إثبات وجود تضارب مصالح أو مخالفة يتطلب وثائق تحدد طبيعة الاتفاقية والجهة المستفيدة ودور المسؤول المنتخب في مختلف مراحلها.
لكن حتى في غياب الحسم في هذه المعطيات، فإن أزمة النصاب كشفت شيئاً واضحاً: العلاقة بين مكونات مجلس الجهة ليست على ما يرام، والخلافات لم تعد مجرد نقاشات داخلية يمكن احتواؤها بسهولة.
وفي الوقت الذي يتصارع فيه المنتخبون حول جدول الأعمال والاتفاقيات، تنتظر الساكنة نتائج ملموسة من مؤسسة يفترض أن تكون في قلب التنمية الجهوية. المشاريع لا تنتظر طويلاً، والاستثمارات لا ينبغي أن تصبح رهينة للتجاذبات السياسية.
لذلك، فإن تجاوز الأزمة يتطلب أكثر من تحديد موعد جديد للدورة. المطلوب هو توضيح خلفيات الخلاف، ونشر الوثائق المرتبطة بالاتفاقيات المثيرة للجدل، وفتح المجال أمام الرأي العام لمعرفة كيف يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالمال العام.
فالسؤال اليوم ليس فقط: لماذا غاب 36 عضواً؟ بل أيضاً: ما الذي جعل هذا العدد الكبير من المنتخبين يفضلون عدم دخول القاعة؟
