الخميس 30 أبريل 2026 14:30

“الصحافة والدولة… حين يتحول المش والقط إلى صراع وجود”

من النادر أن أتناول موضوعًا معقدًا وحساسًا كهذا، لكنه يتطرق إلى واقع الصحافة في المغرب وما يعتريه من تحديات.
في الثقافة الشعبية هناك مثل شائع يقول إن القط والفأر لا يجتمعان، كناية عن صراع دائم وانعدام ثقة بين طرفين
لا يعرفان سوى الحذر والعداء المستمر. قد تبدو هذه مجرد قصة رمزية، لكنها في الواقع تجسد بوضوح حالة من الصدام المستمرة.
فهل يمكن أن نشهد يومًا يتمكن فيه الطرفان من تجاوز هذا الواقع والعيش في إطار من السلام القائم على المودة والثقة؟
حتى الآن، يبدو هذا أقرب إلى المستحيل… أو على الأقل كان هذا هو الاعتقاد السائد. اليوم، هذا التشبيه الرمزي يعكس بدقة الوضع المأزوم الذي يشوب العلاقة بين الصحافة المغربية والدولة. علاقة تتسم بالتوتر وانعدام الانسجام، حيث تطغى لغة التوجس والاحتقان على أي إمكانية للتعاون أو الحوار البناء. في ظل هذا المناخ، تواجه الصحافة المغربية ظروفًا شاقة، تجد فيها نفسها مكبلة بالمشكلات من كل اتجاه: شح الدعم المالي، تراكم الضرائب المتزايدة، وأعباء اجتماعية ترهق المؤسسات الإعلامية إلى حد بدأت تشعر معه بالاختناق،
ما يهددها بالسير بخطى بطيئة نحو الاندثار.

عدد كبير من الصحفيين وجدوا أنفسهم خارج الميدان، بين تسريحات جماعية وإغلاقات مفاجئة لمؤسسات إعلامية كانت إلى وقت قريب تساهم في صناعة الرأي العام. اليوم، أعلنت العديد من هذه المقاولات إفلاسها أو دخلت في حالة جمود، مخلفة وراءها فراغًا إعلاميًا خطيرًا، يهدد حضور الإعلام المغربي، الذي يعاني أصلًا من ضعف تمثيليته على الساحة الدولية.

والمفارقة الكبرى أن هذه الأزمة تقابلها فئة محدودة من المنابر التي تمتلك إمكانيات مالية كبيرة، وتشتغل وفق أجندات خاصة، بعيدة عن هموم الصحفيين وثوابت المهنة. هذه الفئة لا تتأثر بالأزمة، بل تساهم، بشكل أو بآخر، في تعميق الفجوة داخل الجسم الإعلامي،

وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا، ليس فقط على المهنة، بل على توازن المشهد الإعلامي برمته.

وإذا أردنا تبسيط الصورة أكثر، يمكن القول إن الصحافة اليوم تشبه جنودًا في ساحة المعركة… لكن بلا سلاح. فكيف يمكن لجندي أن يدافع عن وطنه دون عدة أو ذخيرة؟ وكيف للإعلام الوطني أن يواجه التحديات، داخليًا وخارجيًا، وهو غارق في أزمات متراكمة؟

تُستحضر هنا نكتة ذات دلالة: سأل أحدهم صديقه، هل يمكن للقط والفأر أن يتصالحا؟ فأجابه: نعم، إذا وُضعا معًا تحت وطأة الضرب!
هذه السخرية ربما تعكس واقع اليوم، حيث بات الجميع تحت ضغط مستمر، ولكن بدل أن يكون هذا الضغط دافعًا للإصلاح،
أصبح سببًا إضافيًا للتراجع والانهيار. أمام هذا الواقع، تصبح الدولة مدعوة إلى إدراك أن الإعلام ليس مجرد نشاط اقتصادي يُدر الأرباح،
بل هو عمود رئيسي في تعزيز الأمن المعنوي للوطن. فسمعة الدول لا تُصاغ عبر الدبلوماسية وحدها، بل تتطلب وجود إعلام قوي، حرّ، ومسؤول يساهم في بناء الصورة الإيجابية للوطن. في سياق آخر، يقال في قوانين الحرب إن الموت أهون من الاستسلام. والسؤال هنا: هل بلغت الصحافة المغربية حد التفكير في الاستسلام أمام التحديات الكبيرة التي تواجهها؟ أم أنها لا تزال تمتلك القدرة على المقاومة والوقوف من جديد؟ الإجابة ليست بالسهولة المرجوة، لكن الخطر المؤكد أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اختفاء القط والفأر معًا من المشهد الإعلامي الوطني، وهذا سيكون أسوأ ما يمكن أن يحدث. ففي عصر هيمنت فيه التكنولوجيا، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح فقط، بل أضحت الكلمة والإعلام سلاحين لا يقلان خطورة عن أي ترسانة عسكرية… فالإعلام باختصار هو قوة الوطن. وللرحلة بقية
كرور سعيد  كرور

 

تحرير: مكتب أكادير

قسم النشر بجريدة نشرة الالكترونية بمدينة أكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.