لم تعد التحولات السياسية تقاس فقط بمدى تطور المؤسسات أو تحديث القوانين، بل بعمق التغير الذي يطال طريقة تشكل الرأي العام داخل المجتمعات المعاصرة، ففي زمن تتسارع فيه تدفقات المعلومات بشكل غير مسبوق، لم يعد الخطاب السياسي محصورا داخل القاعات التشريعية، بل انتقل إلى فضاء رقمي مفتوح و سريع، ويعيد إنتاج نفسه باستمرار، حيث لم تعد قواعد التأثير كما كانت من قبل، وفي قلب هذا التحول، لم يعد البرلمان يحتكر وحده صناعة الرأي العام رغم مكانته الدستورية، فقد ظهر فضاء مواز أكثر سرعة و انتشارا، قادر على توجيه الانتباه الجماعي وإعادة ترتيب الأولويات داخل المجال العمومي، وهنا يتعمق الإشكال: من يصنع الرأي العام اليوم؟ البرلمان كمؤسسة تمثيلية، أم شاشة الهاتف كفضاء يعيد تعريف السلطة؟
فإذا كان المجال العمومي التقليدي قائما على مركزية واضحة، حيث كانت المؤسسة التشريعية تنتج الخطاب السياسي، ووسائل الإعلام تقوم بنقله و شرحه، ثم يعاد تداوله داخل المجتمع بشكل تدريجي مع صعود الفضاء الرقمي، هذا التحول لم يغير فقط طريقة تداول الخطاب، بل مس جوهر السلطة الرمزية للمؤسسة السياسية، فالمعنى السياسي الذي كان ينتج داخل البرلمان ويكتسب شرعيته عبر النقاش المؤسسي، أصبح اليوم يعاد تشكيله خارج هذه الدوائر، داخل فضاءات رقمية تسمح بإعادة التأويل الفوري، والتعليق، والاختزال، وإعادة النشر.
وهكذا لم يعد المواطن مجرد مستقبل للمعلومة، بل أصبح عنصرا نشطا في إنتاجها و إعادة توجيهها، مما أدى إلى تراجع الاحتكار الرمزي للمؤسسات التقليدية، وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بمن ينتج القرار ، بل أصبح مرتبطا بمن يحدد ما يستحق الانتباه، وهنا يظهر تحول أعمق يتمثل في صعود ما يمكن تسميته بمنطق الانتباه، حيث لم تعد أهمية القضايا السياسية مرتبطة فقط بوزنها التشريعي أو الدستوري، بل بقدرتها على اختراق الفضاء الرقمي وتحقيق انتشار واسع، ااطمر الذي افضى الى اعادة ترتيب الأولويات داخل المجال العمومي، بحيث أصبحث بعض القضايا الثانوية في مستوى القرار، أكثر حضورا من قضايا كبرى فقط لأنها أكثر قابلية للتداول الرقمي.
هذه الحقيقة نتج عنها ظهور ازدواجية داخل المجال السياسي: ازدواجية بين منطق بطيئ مؤسساتي يقوم على النقاش و التدرج و التحليل، ومنطق سريع رقمي يقوم على الاختزال و إنتاج الأثر اللحظي، وبين هذين المنطقين، أصبح الخطاب السياسي نفسه يعيش حالة إعادة تشكيل مستمرة، حيث لم يعد يصاغ فقط داخل المؤسسة، بل أيضا وفق معايير قابلة للانتشار داخل منطق السوق الرقمي، ولا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند الدور المتنامي للخوارزميات،التي أصبحت جزءا غير مرئي من بنية المجال العمومي، فهي لا تنتج الخطاب السياسي بشكل مباشر لكنها تتحكم في شروط ظهوره، وفي ترتيب وصوله إلى الجمهور، وفي تحديد ما يصبح قضية رأي عام وما يبقى خارج دائرة الانتباه، وبهذا المعنى، لم يعد المجال السياسي خاضعا فقط لمنطق المؤسسات، بل أيضا لمنطق تقني يعيد تشكيل الرؤية العامة بشكل غير مباشر، وفي موازاة ذلك، تغير موقع الفاعل السياسي نفسه، فلم يعد يتحرك داخل فضاء مؤسساتي مغلق، بل أصبح مضطرا للتفكير في قابلية خطابه للانتشار داخل المنصات الرقمية، وهذا الوضع خلق توترا دائما بين مقتضيات الدقة المؤسساتية وضغط السرعة الرقمية، حيث أصبح الخطاب السياسي محكوما بضرورة الموازنة بين العمق و التحليل من جهة، والقدرة على الوصول السريع من جهة أخرى.
أما المواطن، فقد كان أحد أكثر المتأثرين بهذا التحول، فقد تغيرت طريقة تلقيه للخطاب السياسي، حيث لم يعد يتعامل معه كمسار طويل من التحليل و الفهم، بل كتدفق سريع من الرسائل المكثفة و المجزأة، وهذه النقلة النوعية، أدت إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي نفسه، الذي أصبح أقرب إلى ردود الفعل اللحظية والانطباعات السريعة، بدل التراكم المعرفي و الفهم التدريجي، ومع هذا التغير، تقلصت المسافة بين الخبر والموقف، وبين المعلومة و التأويل.
أمام هذا الواقع الجديد، برزت إشكالية الشرعية السياسية بشكل أوضح، فإلى جانب الشرعية التقليدية القائمة على الانتخاب و المؤسسات، ظهرت شرعية جديدة رقمية تبنى على التفاعل والانتشار، والحضور داخل الفضاء الرقمي، غير أن هذه الاخيرة، رغم قوتها في التأثير اللحظي، تظل غير مستقرة، لأنها مرتبطة بإيقاع المنصات وليس باستمرارية المؤسسات، مما يجعلها سريعة التحول و التغير.
إن انتقال جزء من السلطة الرمزية من قبة البرلمان إلى شاشة الهاتف لا يمكن اختزاله في مجرد تحول تقني، بل هو تحول يعيد تشكيل بنية المجال السياسي نفسه، ويعيد توزيع مصادر التأثير داخل المجتمع، وصياغة العلاقة بين المواطن و المؤسسة، وبين الخطاب السياسي وطرق إنتاجه وتلقيه، وتكمن خطورة هذا اابنتقال في كونه يستهذف صميم الشرعية التقليدية ،فالبرلمان تاريخيا كان يمثل المركز اأاساسي لصناعة القرار والرأي العام، والديمقراطية التمثيلية قد بنيت على افتراض أن المجال العمومي يمر أساسا عبر المؤسسات، فإن الواقع الرقمي اليوم يطرح معادلة أكثر تعقيدا، حيث تتعدد مراكز إنتاج المعنى السياسي، وتتداخل مستويات الخطاب، ويصبح الوعي العام نتيجة تفاعل مستمر بين المؤسسة و المنصة و الخوارزمية، وهنا يبقى السؤال مفتوحا دون حسم:
طالما ظلت السلطة تمارس أيضا داخل فضاء رقمي يعيد تشكيل ما يرى و ما يتداول وما يعتبر قضية رأي عام، و مادامت الخوارزميات قد أصبحت فاعلا غير مرئي في تشكيل هذا الوعي، فهل انتهى عصر احتكار المؤسسات للحقيقة السياسية،لنستيقظ على سلطة رقمية خفية تعيد تشكيل وعينا للعالم دون أن ننتبه؟
بقلم : الصحفية فاطمة الزهراء احموش

