الأحد 7 يونيو 2026 13:25

مهرجان “إثري” بالخميسات.. حين تتحول الثقافة إلى مشروع للتنمية ويعانق الشعر الموسيقى في ختام دورة استثنائية

أسدل الستار، مساء السبت 6 يونيو 2026، على فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان “إثري” بمدينة الخميسات، بعد خمسة أيام حافلة بالأنشطة الثقافية والفنية والفكرية، نجحت في ترسيخ هذا الموعد السنوي كأحد أبرز التظاهرات الثقافية الصاعدة التي تراهن على جعل الثقافة رافعة للتنمية المجالية وجسراً للحوار والانفتاح.

المهرجان، الذي نظمته رابطة الإبداع والتنمية الاجتماعية تحت شعار “الصناعة الثقافية في خدمة التنمية المجالية”، لم يكن مجرد سلسلة من العروض الفنية واللقاءات الأدبية، بل شكل فضاءً متكاملاً لتلاقح التجارب الإبداعية وتبادل الرؤى بين الفنانين والمفكرين والباحثين والجمهور، في تجربة ثقافية متعددة الأبعاد جمعت بين الفكر والجمال والمعرفة.

 

وجاء الحفل الختامي في مستوى التطلعات، حيث احتضن المركب الثقافي الأطلس أمسية شعرية راقية شارك فيها الشعراء رشيدة الشانك والكبير إيزة والمصطفى الكوش والحسين نكور وعبد الحميد موساوي، الذين نسجوا بكلماتهم لوحات وجدانية امتزج فيها الحس الإنساني بعمق التجربة الشعرية، فيما أدار الشاعر عادل المخنتر فقرات الأمسية بأسلوب أضفى على اللقاء بعداً جمالياً خاصاً.

 

ولم يقتصر الختام على الاحتفاء بالكلمة، بل امتد إلى الموسيقى التي حضرت بقوة من خلال سهرة فنية أحياها الفنانان طاها الحجيل وياسين كاكوتوج، وسط تفاعل جماهيري كبير، في مشهد جسّد قدرة الفن على صناعة الفرح الجماعي وترسيخ قيم التلاقي والتواصل.

وعلى امتداد أيام المهرجان، تحولت الخميسات إلى ورش ثقافي مفتوح احتفى بمختلف التعبيرات الإبداعية. ففي المجال الأدبي، استقطب “ماستر كلاس” الفنان والمخرج والروائي إدريس الروخ اهتماماً واسعاً، حيث تقاسم مع الجمهور محطات من مساره الفني وتجربته في الكتابة، كما قدم روايته الجديدة “الحفرة” التي وصفها بأنها رحلة إنسانية وفلسفية تستنطق أسئلة الواقع والحلم والهامش الاجتماعي، قبل أن يُكرم تقديراً لمساره الفني والإبداعي الغني.

وشكل اللقاء مناسبة لاستحضار تجربة الروخ الممتدة بين المسرح والتلفزيون والسينما، ولإبراز رؤيته للفن باعتباره مشروعاً إنسانياً يحتاج إلى الصبر والإيمان بالموهبة، بعيداً عن منطق الشهرة السريعة والنجاح الآني.

وفي المحور الأدبي أيضاً، احتفى المهرجان بالشاعرة لطيفة منصور التي وقعت ديوانها الجديد “الأحاسيس” في أمسية امتزج فيها الشعر بالموسيقى، حيث رافقت القراءات الشعرية مقطوعات موسيقية عززت من الأبعاد الجمالية للنصوص، في لحظة ثقافية أكدت أن الكلمة ما تزال قادرة على ملامسة الوجدان وصناعة الدهشة.

كما واصل المهرجان رهانه على الانفتاح على البحث العلمي والتوثيق التاريخي من خلال تقديم كتاب الباحث الدكتور مصطفى أوعزيز “التعليم الفرنسي في الوسط الأمازيغي (أزرو وعين اللوح 1915-1956)”، في مبادرة عكست حرص المنظمين على الجمع بين الإبداع الأدبي والمعرفة الأكاديمية، وإتاحة فضاءات للنقاش حول قضايا الذاكرة والتحولات الاجتماعية والثقافية.

ولم تغب الثقافة الشعبية عن هذه الدورة، حيث تنوعت السهرات والعروض بين فنون أحيدوس والشعبي والدقة المراكشية وعيساوة وكناوة، في احتفاء بثراء الموروث المغربي وتعدده، كما احتضن المهرجان معرضاً للمنتوجات المجالية والصناعة التقليدية والحرف التراثية، وفضاءً للتوجيه المدرسي والتكوين، إضافة إلى ورشات تربوية وأنشطة موجهة للشباب والناشئة.

وعرفت الدورة كذلك تكريم عدد من الشخصيات الثقافية والفنية والرياضية، وفي مقدمتها الإطار الوطني الحسين عموتة، اعترافاً بما قدمه من إسهامات متميزة في مجال الرياضة الوطنية، في تأكيد على انفتاح المهرجان على مختلف روافد التميز والإبداع المغربي.

وأكد مدير المهرجان الشاعر عادل المخنتر أن “إثري” أصبح اليوم مشروعاً ثقافياً متكاملاً يتجاوز منطق التظاهرة الموسمية، ليشكل منصة للحوار والتكوين واكتشاف المواهب وتثمين الرأسمال الثقافي المحلي، مشيراً إلى أن الرهان المستقبلي يتمثل في تطوير المهرجان وتعزيز إشعاعه الوطني، بما يجعله فضاءً قادراً على استقطاب تجارب إبداعية أكثر تنوعاً وتأثيراً.

ويُحسب لهذه الدورة نجاحها في تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الاحتفاء بالفن والأدب والفكر والتراث، وبين ترسيخ الثقافة كخيار استراتيجي للتنمية، وهو ما جعل من مهرجان “إثري” تجربة ثقافية واعدة تؤكد أن الاستثمار في الإبداع والمعرفة يظل أحد أكثر السبل نجاعة لبناء الإنسان وتعزيز الدينامية المجتمعية.

وقد تحقق هذا النجاح بفضل تضافر جهود مختلف الشركاء والداعمين والفاعلين الثقافيين والإعلاميين، وكذا بفضل العمل التنظيمي الجاد الذي قادته رابطة الإبداع والتنمية الاجتماعية، ما أسهم في إخراج دورة متميزة تركت صدى إيجابياً لدى المشاركين والجمهور على حد سواء.

يُذكر أن الدورة الرابعة لمهرجان “إثري” نُظمت بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وعمالة إقليم الخميسات، والمديرية الإقليمية للشباب، وجماعة الخميسات، والمجلس الإقليمي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتعاون الوطني، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.

 

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.