خريبكة تستعد للدورة 17 من المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي.. السينما جسراً للدبلوماسية الناعمة

ليست كل الدبلوماسية تُمارس خلف طاولات المفاوضات، ولا تُقاس دائماً بعدد الاتفاقيات الموقعة. أحياناً تبدأ الدبلوماسية من شاشة سينمائية، ومن قصة إنسانية، ومن صورة تعبر الحدود دون حاجة إلى مترجم. ومن هذا المنظور، يكتسب المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة دلالة تتجاوز موعداً فنياً عابراً، ليصبح فضاءً للحوار الثقافي والانفتاح على تجارب العالم، ومناسبة تساهم من خلالها المدينة والمغرب في بناء جسور جديدة ضمن ما يعرف بـالدبلوماسية الناعمة.
وتستعد مدينة خريبكة لاحتضان الدورة السابعة عشرة من هذا الموعد السينمائي، خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 26 دجنبر المقبل، في دورة تستقبل تجارب وثائقية من بلدان متعددة، وتمنح الفيلم الوثائقي مكانته كوسيلة فنية للتعبير، والتوثيق، وطرح الأسئلة حول الإنسان والمجتمع والتحولات التي يشهدها العالم.
وقد توصلت إدارة المهرجان بـ87 فيلماً من دول مختلفة، خضعت لعملية مشاهدة وانتقاء استندت إلى مجموعة من المعايير التقنية والفنية، من بينها جودة المعالجة، وطبيعة الأفكار المطروحة، ومدى قرب الأعمال من اللغة السينمائية الوثائقية وقدرتها على تقديم رؤية متماسكة للموضوع الذي تتناوله.
وبعد هذه العملية، وقع الاختيار على تسعة أفلام للمسابقة الرسمية، تمثل تجارب سينمائية من المغرب وفرنسا وبلجيكا وتونس ولبنان ومصر ونيوزيلندا، إلى جانب إنتاجات سينمائية مشتركة بين عدد من الدول.
وتضم المسابقة فيلم “L’Mina” للمخرجة راندة معروفي، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإيطاليا وقطر، وفيلم “Their Eyes” للمخرج نيكولا كوغو من فرنسا، و”Habiter le monde” للمخرج علي بدر من بلجيكا، و”Liberté en acte” للمخرج التونسي هشام بن عمار.
كما تشمل البرمجة فيلم “Ephemeral You” للمخرجة نور الدمشقية من لبنان، و”Carved Lives” للمخرج يوسف نصر من مصر، و”Our Love” للمخرجة فاليريا غلوفينا من نيوزيلندا، إضافة إلى الفيلم المغربي “The Departure” للمخرج محمد فاضل الجماني.
وتكتمل لائحة المسابقة بفيلم “Of Mud and Blood” للمخرج جان غابرييل لينو، وهو إنتاج مشترك بين الكونغو وفرنسا وألمانيا.
من خريبكة إلى العالم.. حين تصبح السينما لغة للحوار
قيمة المهرجان لا تختزل في عدد الأفلام المشاركة أو في طبيعة البلدان التي تمثلها، وإنما تكمن أيضاً في قدرته على تحويل خريبكة إلى نقطة التقاء بين تجارب سينمائية وثقافية متعددة.
فالفيلم الوثائقي، بحكم طبيعته، لا يكتفي بتسجيل الواقع، وإنما يعيد طرحه أمام المشاهد من زاوية فنية وإنسانية، ويمنح الثقافات المختلفة فرصة للتعريف بذاتها، كما يفتح أمام الجمهور المغربي نافذة على قضايا وتجارب إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ومن هنا يمكن النظر إلى المهرجان كأحد أشكال الدبلوماسية الثقافية والناعمة، حيث تتحول السينما إلى وسيلة للتقارب بين الشعوب، وإلى لغة مشتركة تستطيع أن تصل إلى المتلقي بعيداً عن الخطابات الرسمية.
وإذا كانت الدبلوماسية التقليدية تعتمد على الحوار بين المؤسسات والدول، فإن الدبلوماسية الناعمة تستفيد أيضاً من الثقافة والفنون والسينما في بناء صورة البلد وتعزيز حضوره في محيطه الدولي. وفي هذا السياق، فإن استضافة أفلام وتجارب سينمائية من قارات وثقافات مختلفة داخل مدينة خريبكة تمنح المدينة نفسها موقعاً إضافياً على خريطة التبادل الثقافي.
السينما الشابة حاضرة أيضاً
وإلى جانب المسابقة الرسمية، يخصص المهرجان مساحة للتجارب السينمائية الطلابية، بعدما توصلت إدارته بـ13 فيلماً مدرسياً، وقع الاختيار على خمسة منها للمشاركة.
ويتعلق الأمر بفيلم “FREE KOULCHI” من ISMAC بالرباط للمخرجة حفصة كوبار، و”Her Land” من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان لمريم بناصر وعهد نجيب، و”Adult’s Secrets” من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية لفاطمة الزهراء لعرايشي.
كما تضم القائمة فيلم “Men of the Valley” من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة للمخرجين أيوب المحجوب وحسين حنين، وفيلم “PAKO” من المدرسة العليا للسينما والسمعي البصري بورزازات للمخرج صلاح أجديك.
ويمنح هذا المسار للمهرجان بعداً تكوينياً، من خلال فتح المجال أمام المواهب الشابة للاحتكاك بالتجربة السينمائية وعرض أعمالها ضمن فضاء دولي، بما يجعل من المهرجان أيضاً منصة لاكتشاف الطاقات الجديدة في مجال الفيلم الوثائقي.
شراكة مؤسساتية لدعم الموعد السينمائي
وتنظم هذه الدورة بدعم من المجمع الشريف للفوسفاط بخريبكة و المركز السينمائي المغربي، وبتعاون مع عمالة إقليم خريبكة و الجماعة الحضرية لخريبكة و شركة نقل لفاسيس بخريبكة.
وتعكس هذه الشراكات أهمية تضافر الجهود المؤسساتية والمدنية في احتضان الفعل الثقافي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بموعد استطاع، عبر سنوات، أن يجعل من الفيلم الوثائقي مدخلاً للتعريف بالإبداع السينمائي المغربي والانفتاح على التجارب الدولية.
وهكذا، تبدو الدورة السابعة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة أكثر من مجرد مسابقة سينمائية؛ إنها مساحة للقاء، ومنصة للسينما، وجسر للتبادل الثقافي، ونافذة يمكن للمغرب من خلالها أن يتحدث إلى العالم بلغة الصورة.
وفي مدينة ارتبط اسمها لعقود بصناعة الفوسفاط، يأتي الفيلم الوثائقي ليضيف إلى خريبكة وظيفة أخرى: أن تكون مدينة تنتج المعرفة والثقافة والحوار، كما تستقبل العالم عبر شاشة السينما.
