الأحد 7 يونيو 2026 01:21

خريبكة تودع دورتها الـ26 بتتويجات لافتة… نصف قرن من العشق الإفريقي للسينما يقترب من يوبيله الذهبي.

أسدلت مدينة خريبكة، مساء السبت 6 يونيو 2026، الستار على فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية، في مشهد احتفالي اختزل ثمانية أيام من العروض السينمائية والندوات الفكرية والورشات التكوينية والأنشطة الثقافية والفنية التي حولت المدينة إلى عاصمة إفريقية نابضة بالصورة والإبداع والحوار الثقافي.

 

وجاء اختتام هذه الدورة في سياق خاص، تزامن مع الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس هذا الموعد الثقافي العريق، أحد أقدم المهرجانات السينمائية المتخصصة في القارة الإفريقية، والذي نجح منذ سنة 1977 في بناء تجربة ثقافية متفردة جعلت من خريبكة منصة دائمة للقاء السينمائيين الأفارقة وفضاءً للاحتفاء بالتنوع الثقافي والهوية المشتركة للقارة.

وعرفت الدورة الحالية مشاركة وازنة لمخرجين ومنتجين وممثلين ونقاد وباحثين وإعلاميين من مختلف البلدان الإفريقية، إلى جانب حضور دبلوماسي وثقافي لافت، فيما حلت جمهورية الكونغو الديمقراطية ضيف شرف لهذه الدورة، في تأكيد جديد على البعد الإفريقي العميق للمهرجان وانفتاحه المستمر على مختلف التجارب السينمائية بالقارة.

 

وكانت الخزانة الوسائطية التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط، صباح يوم الاختتام، على موعد مع الإعلان عن الجوائز الثقافية الموازية للدورة السادسة والعشرين، التي تشكل إحدى المحطات المتميزة للمهرجان، بالنظر إلى ما تمثله من اعتراف مهني ونقدي بالأعمال السينمائية المشاركة.

وفي فئة الأفلام الروائية الطويلة، منحت لجنة الأندية السينمائية الإفريقية جائزتها لفيلم “المتنبئ” للمخرج الموزمبيقي إكوي لانجا، وهو عمل يطرح أسئلة وجودية وإنسانية عميقة من خلال قصة قس يعيش أزمة إيمانية تدفعه إلى البحث عن حلول خارج المألوف. كما خصصت اللجنة تنويهاً خاصاً لفيلم “ناوي: عزيزتي أنا المستقبلية” للمخرجين كيفن شموتزلر وتوني شموتزلر.

 

أما لجنة النقد السينمائي الإفريقي فقد اختارت تتويج الفيلم المغربي “وارث الأسرار” للمخرج محمد نظيف، المقتبس عن رواية “انعتاق الرغبة” للكاتبة فاتحة مرشيد، والذي يتناول رحلة بحث إنسانية مؤثرة في خبايا الذاكرة والحقيقة العائلية. كما نوهت اللجنة بفيلمي “على شرف شجرة المانكا” للمخرج السنغالي نيكولاس ساوالو سيسيه و”ناوي: عزيزتي أنا المستقبلية”.

 

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، عادت جائزة الجامعة الإفريقية للمهرجانات السينمائية إلى الفيلم المصري “البحر يتذكر اسمي” للمخرج حسين حسام، تقديراً لتميزه الفني وقدرته على توظيف اللغة السينمائية في معالجة موضوع إنساني عميق.

 

ومع حلول المساء، انتقلت الأنظار إلى المركب الثقافي محمد السادس، حيث احتضن حفل الاختتام الرسمي الذي نشطته الإعلامية المتألقة سناء فاضل، وسط حضور جماهيري وثقافي وإعلامي وازن.

 

واستهل الحفل بفقرة تكريمية مؤثرة استحضرت روح السينمائي الكاميروني الراحل باسيك با كوبيو، اعترافاً بما قدمه من إسهامات نوعية للسينما الإفريقية وللثقافة البصرية بالقارة.

 

وعرفت لحظة الإعلان عن الجوائز الرسمية أجواء من الترقب والحماس، قبل أن تتوج لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة الفيلم “صوت هند رجب” بالجائزة الكبرى للدورة السادسة والعشرين، في تتويج يؤكد القيمة الفنية والإنسانية لهذا العمل الذي حظي باهتمام واسع في عدد من المحافل السينمائية الدولية.

 

كما منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم المصري “المستعمرة” للمخرج محمد رشاد، فيما عادت جائزة الإخراج للمخرج علي بنجلون عن فيلم “كوندافا”، ونال الفيلم السنغالي “ذاكرة المانجا” جائزة السيناريو.

 

وعلى مستوى الأداء التمثيلي، توج الممثل المغربي يونس بواب بجائزة أفضل دور رجالي عن أدائه في فيلم “وارث الأسرار”، فيما عادت جائزة أفضل دور نسائي لبطلة الفيلم الكيني “ناوي: عزيزتي أنا المستقبلية”، تقديراً لأدائها المتميز وحضورها الفني اللافت.

 

أما في مسابقة الأفلام القصيرة، فقد فاز الفيلم المغربي “نهاية أخرى” للمخرج طارق رسمي بالجائزة الكبرى، بينما نال الفيلم الموريتاني “أنيما” جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وحصل الفيلم المصري “البحر يتذكر اسمي” على تنويه خاص.

 

ولم تكن هذه الدورة مجرد محطة لتوزيع الجوائز أو عرض الأفلام، بل شكلت فضاءً واسعاً للنقاش والتفكير في مستقبل السينما الإفريقية، من خلال الندوات الفكرية التي ناقشت رهانات الإنتاج السينمائي في عصر المنصات الرقمية، واللقاءات الأكاديمية التي احتضنتها جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، إضافة إلى الأنشطة الموجهة للأطفال والبرامج الثقافية والاجتماعية التي امتدت إلى عدد من الفضاءات، بما فيها المؤسسة السجنية بخريبكة.

 

كما عرفت المدينة خلال أيام المهرجان حركية اقتصادية وتجارية ملحوظة، انعكست على مختلف القطاعات المرتبطة بالإيواء والمطاعم والخدمات والتجارة، في تأكيد جديد على الدور الذي أصبحت تلعبه الثقافة في تحريك عجلة التنمية المحلية وتعزيز جاذبية المدن.

 

وإذا كانت الدورة السادسة والعشرون قد حققت نجاحاً لافتاً على المستويات التنظيمية والثقافية والفنية، فإن ذلك يعود إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها مؤسسة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، بمختلف أطرها وموظفيها ومتطوعيها وشركائها، الذين عملوا بروح جماعية عالية من أجل إنجاح هذا الموعد الثقافي القاري.

 

ويستحق طاقم المؤسسة، بقيادة المهندس عز الدين كريران، مدير المهرجان ورئيس الفيدرالية الإفريقية للسينما والسمعي البصري، إشادة خاصة بالنظر إلى الدينامية الجديدة التي شهدها المهرجان خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث توسيع إشعاعه الإفريقي والدولي، أو من خلال تعزيز حضوره داخل الفضاءات الجامعية والثقافية والاجتماعية، وترسيخ مكانته كمنصة للحوار السينمائي والفكري بين شعوب القارة.

 

لقد أكدت هذه الدورة أن المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة لم يعد مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل مؤسسة ثقافية إفريقية قائمة الذات، تحمل رسالة حضارية قوامها الانفتاح والتبادل والإبداع، وتسهم في بناء جسور التواصل بين الثقافات والشعوب.

 

ومع اقتراب الاحتفاء باليوبيل الذهبي سنة 2027، يواصل المهرجان كتابة فصول جديدة من تاريخه الثقافي، محافظاً على روحه الأصيلة ومنفتحاً في الآن ذاته على التحولات الكبرى التي تعرفها السينما الإفريقية والعالمية، ليظل واحداً من أكثر المواعيد الثقافية رسوخاً وتأثيراً في المشهد السينمائي الإفريقي والدولي.

 

تحرير: عزيز أخواض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدتنا، لتصلك آخر الأخبار يوميا

حمل تطبيق نشرة

من نحن؟

جريدة رقمية مستقلة، تهدف إلى تقديم محتوى خبري وتحليلي موثوق، يعكس الواقع بموضوعية ويواكب تطورات المجتمع. نلتزم بالشفافية والمهنية في نقل الأحداث، ونسعى لأن نكون منصة إعلامية قريبة من القارئ، تعبّر عن صوته وتلبي اهتماماته.