قراءة في الخطاب الملكي.. من عراقة الدولة إلى رهانات المستقبل

بقلم: عزيز أخواض
لم يكن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة مجرد عرض لأولويات المرحلة المقبلة، بل حمل رؤية متكاملة لمغرب يعتز بهويته وعمقه التاريخي، ويواصل مسار التحديث الاقتصادي والمؤسساتي، واضعاً التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية في صلب رهانات المستقبل.
المؤسسة الملكية.. امتداد تاريخي ورصيد وطني
استحضر جلالة الملك محمد السادس اعتزازه بالمغربية، مؤكداً عراقة الأمة المغربية تحت راية مؤسسة ملكية تُعد من أعرق الملكيات في العالم. وهو استحضار يتجاوز البعد الرمزي ليؤكد عمق الدولة المغربية واستمراريتها التاريخية، وخصوصية هويتها الوطنية والحضارية، في ظل إمارة المؤمنين وتعدد روافد الشخصية المغربية.
فالاعتزاز بالهوية، كما جاء في الخطاب، ليس تعبيراً عن الاكتفاء بالمكتسبات، بل حافز لتحويل الانتماء الوطني إلى مسؤولية، والثقة إلى التزام، والتاريخ إلى قوة دافعة نحو المستقبل.
امرأة على رأس الحكومة.. سابقة في تاريخ المغرب
وتكتسب هذه المرحلة دلالة تاريخية خاصة بتولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، لتكون أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى هذا المنصب. وهي سابقة تعكس تحولاً في مسار الحضور النسائي في مراكز القرار، وتفتح نقاشاً مؤسساتياً حول توسيع المشاركة في قيادة الشأن العام.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تنحصر في رمزيتها التاريخية، بل تمتد إلى ما تفرضه من مسؤوليات دستورية وسياسية في تدبير الأولويات الوطنية، وتنسيق العمل الحكومي، وتحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين. فالرهان هو بناء تجربة حكومية تُقاس بوضوح برامجها، ونجاعة قراراتها، وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
من الاستراتيجيات الكبرى إلى أثرها الملموس
وضع الخطاب الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن أولويات المرحلة المقبلة، داعياً إلى تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، وتأهيل القطاع الخاص للاضطلاع بدور أكبر في الاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.
كما شدد على وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، من خلال التأهيل وتكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي. وهي أولويات تقتضي الانتقال من إعلان البرامج إلى تحديد أهداف دقيقة، وآجال واضحة، ومؤشرات تسمح بقياس النتائج وتقييم الأثر الفعلي للسياسات المعتمدة.
الجهوية المتقدمة.. امتحان التنفيذ.
من أبرز رسائل الخطاب التأكيد على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، والوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها.
وفي هذا السياق، لم يعد تأخير تفعيل اللاتمركز الإداري ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات أمراً ينسجم مع متطلبات التنمية. فالجهوية المتقدمة تحتاج إلى صلاحيات واضحة، وموارد كافية، وتنسيق فعال بين الدولة والمؤسسات الترابية، بما يجعل القرار أقرب إلى المواطن والمشكلات التي تستدعي المعالجة.
الحكومة والبرلمان.. مسؤولية النتائج
إن الرسالة الجامعة للخطاب تتمثل في ضرورة الانتقال من الطموح إلى التنفيذ، ومن الالتزامات المعلنة إلى النتائج القابلة للتقييم. فالحكومة مطالبة بتحويل التوجيهات إلى سياسات عمومية منسجمة، فيما يظل البرلمان مدعواً إلى ممارسة أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية بمسؤولية وفعالية.
أما الشراكات الدولية، فتحتاج بدورها إلى مواصلة ترسيخ الثقة المتبادلة والدفاع عن المصالح الوطنية، ضمن رؤية تجمع بين استقلال القرار المغربي والتنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
خلاصة
يرسم الخطاب الملكي معالم مرحلة تتطلب الجمع بين الاعتزاز بالهوية الوطنية وعراقة المؤسسة الملكية، والانخراط في التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتجديد أساليب التدبير العمومي.
وبين الدلالة التاريخية لتولي امرأة رئاسة الحكومة، واتساع الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، والتأكيد على العمل الميداني، يظل التحدي الأساسي هو تحويل التوجيهات إلى إنجازات قابلة للقياس، تجعل أثر السياسات العمومية ملموساً في حياة المواطنين.
فنجاح الولاية الجديدة لن تحدده قوة البرامج المعلنة وحدها، بل قدرتها على إحداث التغيير المنشود، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الثقة في المؤسسات.